تعيش ولايات السودان الشرقية والغربية على وقع كارثة طبيعية مروّعة، بعدما أعلنت منظمة الهجرة الدولية أن السيول والأمطار الغزيرة تسببت في نزوح واسع النطاق وانهيارات كبيرة للمنازل، فيما تتصاعد المخاوف من أزمة إنسانية تضيف فصولًا مأساوية جديدة إلى بلد أنهكته الحرب.

وفي الخلفية، تُتهم الإمارات بتأجيج الحرب الدائرة عبر دعمها لميليشيات “الدعم السريع”، وهو ما يجعل من كل كارثة طبيعية مضاعفة الأثر، إذ يجد ملايين المدنيين أنفسهم بين مطرقة السلاح وسندان الفيضانات.

نزوح جماعي وانهيار للمنازل

في بيان رسمي، أكدت منظمة الهجرة الدولية أن السيول التي اجتاحت ولايتي القضارف وجنوب دارفور تسببت في نزوح 581 أسرة وانهيار 631 منزلاً بين كلي وجزئي.

  • ففي قرية ود الشاعر بمحلية الرهد (ولاية القضارف شرق السودان)، نزحت 500 أسرة بعد أن جرفت السيول منازلها، حيث دُمّر 500 منزل بشكل كامل أو جزئي.
  • وفي قرية مبروكة القريبة من مدينة الفاو، نزحت 17 أسرة بعد تضرر منازلها.
  • أما في قرية طرطورة بولاية جنوب دارفور، فقد سجلت التقارير نزوح 64 أسرة وانهيار 64 منزلاً كليًا وتضرر 50 منزلًا جزئيًا.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تعبّر عن آلاف الأرواح التي انتقلت فجأة إلى العراء، بلا مأوى ولا حماية، لتضاف إلى سجل النزوح المتفاقم أصلًا بسبب الحرب.

كارثة انزلاق أرضي مدمرة

وفي مشهد أكثر مأساوية، أعلنت حركة/جيش تحرير السودان الأسبوع الماضي أن انزلاقًا أرضيًا ضخماً في منطقة ترسين شرق جبل مرة (إقليم دارفور) أتى على قرية بأكملها، متسببًا في مصرع أكثر من ألف شخص لم ينجُ منهم سوى شخص واحد فقط.

ووفق البيان، فإن القرية “سُويت بالأرض تمامًا” بفعل الأمطار الغزيرة التي هطلت في أواخر أغسطس، فيما ناشدت الحركة المجتمع الدولي التدخل العاجل لانتشال جثث الضحايا.

هذه الفاجعة تمثل واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية في تاريخ السودان الحديث، إذ تحولت قرية كاملة إلى مقبرة جماعية تحت الطين، في وقت تغيب فيه الدولة العاجزة والمنشغلة بالحرب.

موسم الخريف: من المطر إلى المأساة

يعرف السودانيون أن موسم الخريف الممتد من يونيو إلى أكتوبر يجلب عادةً الأمطار والسيول، لكن غياب التخطيط وتهالك البنية التحتية حول هذا الموسم إلى شبح دائم يطارد السكان. فالمناطق المنكوبة تفتقر إلى شبكات صرف صحي، وتنتشر فيها المنازل الطينية الهشة، ما يجعل أي هطول غزير للأمطار بمثابة إنذار بانهيار وشيك.

إلا أن خطورة الوضع الحالي تكمن في أنه يتزامن مع حرب داخلية طاحنة منذ أبريل 2023، بين الجيش وميليشيا الدعم السريع، خلفت أكثر من 20 ألف قتيل رسميًا، ونحو 15 مليون نازح ولاجئ، بينما قدرت دراسات أكاديمية عدد الضحايا الحقيقيين بـ 130 ألف قتيل.

الإمارات ودورها في مفاقمة الكارثة

وسط هذه الفوضى الطبيعية والبشرية، يبرز اسم الإمارات كأحد اللاعبين الأكثر إثارة للجدل. فبينما يغرق السودانيون في السيول، يوجه ناشطون أصابع الاتهام إلى أبوظبي التي ضخت الأموال والسلاح لقوات الدعم السريع، لتتحول دارفور إلى ساحة حرب دموية. هذا الدعم ساهم في إطالة أمد الصراع، ما شلّ مؤسسات الدولة وأضعف قدرتها على مواجهة الكوارث الطبيعية.

إن مأساة نزوح مئات الأسر وانهيار قرى كاملة ليست منفصلة عن الخراب السياسي والعسكري الذي فرضته التدخلات الخارجية، وعلى رأسها الإماراتية. ففي بلد يعيش حربًا مفتوحة، تصبح الكوارث الطبيعية مضاعفة الأثر، إذ لا يجد المتضررون لا حكومة فاعلة ولا إغاثة عاجلة.

البعد الإنساني: السوداني بين حرب الطبيعة وحرب البشر

الكارثة تكشف بوضوح أن المواطن السوداني محاصر بين حرب الطبيعة المتمثلة في السيول والانهيارات الأرضية، وحرب البشر التي تشعلها البنادق والمدافع.

  • المدنيون في القضارف ودارفور يجدون أنفسهم فجأة بلا مأوى.

  • مئات الأسر تنام في العراء، بينما الأطفال والنساء يواجهون خطر الأمراض ونقص الغذاء.
  • المجتمع الدولي يكتفي بالبيانات، فيما تواصل الإمارات وفاعلون إقليميون آخرون تغذية الصراع بدلاً من إطفائه.

قراءة مستقبلية: كارثة مرشحة للتوسع

المراقبون يرون أن هذه الكوارث مرشحة للتوسع خلال الأسابيع المقبلة مع استمرار هطول الأمطار، خصوصًا في ظل غياب سلطة مركزية قادرة على التنسيق بين الولايات أو إدارة الكوارث. ومن المرجح أن تتفاقم الأوضاع الإنسانية إذا استمر الصراع المسلح، وهو ما يجعل السودان مقبلًا على مزيج قاتل من الحرب والمجاعة والكوارث الطبيعية.

إن السودان اليوم ليس أمام كارثة واحدة، بل سلسلة كوارث متداخلة: حرب أهلية، تدخلات إقليمية، بنية تحتية منهارة، ومواسم مطيرة لا تجد من يواجهها بخطط إنقاذ. وفي كل ذلك، يبقى صوت الضحايا هو الأعلى، يطلبون النجدة في عالم مشغول بمصالحه.

خلاصة

الكوارث التي تضرب السودان اليوم ليست نتاج الطبيعة وحدها، بل نتيجة مباشرة أيضًا للتدمير الممنهج الذي ساهمت فيه أطراف خارجية على رأسها الإمارات. وبينما تجرف السيول منازل البسطاء في القضارف ودارفور، تجرف الحرب أرواح المدنيين بلا رحمة. ليبقى السؤال الكبير: إلى متى سيدفع السودانيون ثمن صراع لم يختاروه، وحرب لا نهاية لها؟

اقرأ أيضًا : أسطول “عمر المختار”.. خطوة ليبية جريئة نحو كسر الحصار عن غزة