في مطلع ديسمبر الجاري، شهدت محافظة حضرموت، كبرى محافظات اليمن مساحة وأكثرها حساسية استراتيجيًا، واحدة من أخطر التحولات في مسار الحرب اليمنية. قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعومة إماراتيًا، اقتحمت مدينة سيئون، وأسقطت منشآتها الحيوية خلال ساعات، في تحدٍّ مباشر للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وفي خرق صارخ لاتفاقات التهدئة التي رعتها السعودية. ما حدث لم يكن معركة عسكرية فقط، بل إعادة ترسيم علني لخريطة السيطرة في جنوب اليمن… وتمهيدًا صريحًا لانفصال مُعلن.

ما بدا تصعيدًا طارئًا في الأخبار، لم يكن سوى الفصل الأحدث في سردية طويلة بدأت قبل عقد من الزمن، عندما دخلت الإمارات التحالف العربي في 2015 تحت شعار دعم الشرعية. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف أبوظبي عن التحرك وفق قواعد مختلفة: تقاتل بشعار، وتعمل بأجندة، وتخطط لهدف ثالث. وبين الشعارات والأجندات، دفعت اليمن ثمناً باهظًا من وحدته وسيادته ومستقبله.

السيطرة على الأرض: عندما تهاجم مليشيات الإمارات “الحكومة الشرعية“

في مطلع ديسمبر 2025، أطلق المجلس الانتقالي الجنوبي عملية عسكرية أطلق عليها اسم “المستقبل الواعد”، بدأها بالسيطرة على مدينة سيئون في وادي حضرموت، أحد آخر معاقل الحكومة اليمنية في الجنوب. العملية تمّت خلال ساعات، بمساعدة قوات النخبة الحضرمية المدعومة إماراتيًا، وانتهت برفع أعلام الجنوب الإنفصالية على المقرات الحكومية ومطار سيئون والبنك المركزي.

هذه ليست المرة الأولى التي تتحرك فيها قوات موالية للإمارات ضد القوات الحكومية. فمنذ 2017، شكّلت أبوظبي قوات موازية للجيش اليمني الرسمي في معظم المحافظات الجنوبية، مثل “الحزام الأمني”، و”النخبة الحضرمية”، و”النخبة الشبوانية”، و”ألوية العمالقة”، و”قوات المقاومة الوطنية”. لم تكن هذه التشكيلات جزءًا من أي خطة توحيد للجيش أو لمواجهة الحوثيين، بل كانت تعمل كجيوش موازية، بقرارات وتمويل خارجي وسلاح إماراتي، وكأن اليمن دولة خالية من السيادة.

ما حدث في حضرموت تكرّر سابقًا في عدن، ثم سقطرى، ثم شبوة. في كل مرة، كان العدو ليس الحوثيين، بل الجيش الوطني، والمؤسسات الحكومية، والرموز السيادية. وفي كل مرة، كانت الإمارات تبني جدارًا جديدًا من الحماية لوكلائها، وتفتح بابًا آخر لتحويل الحرب اليمنية من معركة ضد الانقلاب، إلى صراع داخلي تتآكل فيه الدولة من الداخل.

لماذا حضرموت؟ الأطماع الخفية في النفط والحدود

حضرموت ليست محافظة عادية. هي ثلث مساحة اليمن، وتضم الحدود الأطول مع السعودية، وثروات نفطية كبيرة، وساحل طويل على بحر العرب، بالإضافة إلى مطارات وموانئ وطرق استراتيجية. السيطرة على حضرموت تعني، عمليًا، السيطرة على مستقبل الجنوب، والتحكم بخريطة الموارد. لهذا لم تكن الإمارات وحدها تطمع بها؛ السعودية أيضًا تمددت في الوادي منذ سنوات، ودعمت قوات موازية (درع الوطن)، وكل طرف يسعى لإقصاء الآخر والضحية هو اليمن.

الانتقالي – الذراع العسكرية والسياسية للإمارات – كان يبحث عن هذه الفرصة منذ سنوات، لكن وجود قوات المنطقة العسكرية الأولى التابعة للحكومة الشرعية حال دون ذلك. وعندما قررت الإمارات قلب الطاولة، حرّكت قواتها في عملية مفاجئة، محمية إعلاميًا وسياسيًا، ومدعومة لوجستيًا، انتهت بسيطرة كاملة.

وبذلك، استكمل المجلس الانتقالي – ومن خلفه الإمارات – سيطرته على أغلب جنوب اليمن: عدن، لحج، الضالع، أبين، شبوة، حضرموت، وسقطرى. أصبح واقع التقسيم أمرًا ملموسًا لا نظريًا فقط، وأضحى المشروع الانفصالي في الجنوب واقعًا تديره أبوظبي بحزم.

كيف انقلبت الإمارات على أهداف التحالف؟

عندما دخلت الإمارات التحالف في 2015، كانت تُقدم كحليف مخلص، يشارك في استعادة الشرعية، ومواجهة الحوثيين، ويدعم الدولة. لكن تلك الصورة لم تصمد طويلًا. فبحلول 2017، بدأت تظهر أولى علامات الانحراف: تسليح مليشيات خارج إطار الدولة، منع الحكومة من العودة إلى عدن، السيطرة على المطارات والموانئ، تحويل منشآت حيوية (مثل بلحاف) إلى قواعد عسكرية مغلقة، والتدخل في تعيين المسؤولين وقيادات الجيش والأمن.

في 2018، أظهرت الإمارات وجهها الحقيقي. هاجمت القوات الحكومية التي كانت تحاول استعادة السيطرة على عدن، وساندت المتمردين في المجلس الانتقالي. وفي 2019، شنت غارات جوية على قوات الشرعية أثناء معركتها لاستعادة المدينة، متسببة في مئات القتلى. في نفس العام، سقطت سقطرى بيد الانتقالي، بعملية خُطط لها وأُديرت من غرف عمليات في أبوظبي، وتم فيها رفع علم الجنوب على المؤسسات الرسمية، واعتقال مسؤولين، وطرد القوات الحكومية.

في كل محطة من هذه المحطات، كانت الإمارات تبتعد خطوة عن أهداف التحالف، وتقترب خطوة من هدفها الحقيقي: بناء سلطة بديلة في جنوب اليمن، تُدين بالولاء لها، وتُعيد رسم خارطة النفوذ على مقاس طموحاتها.

الاقتصاد أولًا: السيطرة على الموانئ والموارد

لعبت المصالح الاقتصادية دورًا جوهريًا في توجيه سلوك الإمارات. فمنذ اليوم الأول، كانت عين أبوظبي على الموانئ اليمنية، والجزر الاستراتيجية، وحقول النفط، والغاز سيطرت على ميناء عدن، ثم حاولت السيطرة على ميناء الحديدة، قبل أن تعرقل اتفاق ستوكهولم تقدم قواتها هناك. لاحقًا، ركزت على بلحاف، أكبر منشأة لتصدير الغاز في اليمن، ومنعت تشغيلها، محولة إياها إلى قاعدة مغلقة.

كذلك، سيطرت على ميناء المخا، وعلى مطار الريان، وحرصت على تأمين موانئ سقطرى من خلال قوات الانتقالي. كل ذلك يؤكد أن المشروع الإماراتي لم يكن أمنيًا، بل اقتصاديًا بامتياز. كانت تسعى إلى امتلاك أوراق ضغط في خطوط الملاحة الدولية، والسيطرة على موارد اليمن، وتحقيق مكاسب طويلة الأمد، على حساب معاناة اليمنيين.

الإمارات لا حليف لها… حتى السعودية

لم تتوقف الإمارات عند تقويض الشرعية، بل ذهبت أبعد. في أكثر من مرة، أحرجت السعودية، وكشفت تناقضات التحالف. ففي الوقت الذي كانت الرياض تفاوض الحوثيين لإيقاف الحرب، كانت أبوظبي تدعم الانتقالي لفرض واقع تقسيمي. وفي الوقت الذي كانت السعودية تسعى لتوحيد الحكومة والانتقالي في حكومة مشتركة (اتفاق الرياض)، كانت الإمارات تدفع المجلس إلى التصعيد والانقلاب على الاتفاقات.

في حضرموت، مثلًا، تسابق الطرفان السعودي والإماراتي على النفوذ. السعودية دعمت درع الوطن، والإمارات دعمت الانتقالي. النتيجة كانت فوضى، ومواجهات، وانقسام أمني، وانتكاسة جديدة للحكومة. حتى البيانات الرسمية لم تعد توحد الطرفين. كل طرف يغرد خارج السرب، وكل طرف يدفع بوكلائه، دون اعتبار لمصير اليمن ولا أهداف التحالف الأصلية.

خلاصة: من ساعد اليمن… ومن مزّقه؟

لم تُقاتل الإمارات في اليمن لأجل استعادة الدولة. لم تُحرر من الحوثيين سوى عدن، ثم انسحبت من الجبهات، تاركة المهمة للجيش والمقاومة، وركّزت على بناء نفوذ في الجنوب. دعمت مليشيات، وأنشأت قوات موازية، وفرضت سطوتها على الموانئ والمنشآت، وسمحت لوكلائها بالتمرد على الحكومة، بل ودعمتهم حين قصفوا الجيش. وها هي اليوم، تدفع اليمن أكثر نحو التقسيم، وتستخدم ثرواته كورقة تفاوض، وتفرض نفسها كفاعل لا يمكن تجاوزه.

وفي كل مرة، تروّج أنها حليف… بينما لا حليف لها. لا الشرعية استفادت، ولا التحالف بقي موحدًا، ولا اليمن خرج أقرب إلى السلام. الإمارات قاتلت لأجل مصالحها، ومولت لأجل سلطتها، وساعدت من أراد خدمتها، وأقصت من رفض أن يكون تابعًا.

وحتى يعود اليمن إلى أبنائه، لا بد أن تُفتح كل الملفات: من دعم الانفصال، من استغل الموانئ، من عطّل المنشآت، من قصف الجيش، ومن احتل الجزر، ومن أسس السجون. اليمن لا يُشفى بالغفران، بل بالحقيقة، ولا تُبنى دول بسيادة منقوصة، وما يحدث في حضرموت اليوم، هو فقط جزء من تلك الحقيقة.