في قرار وُصف بأنه محطة مفصلية في مسار العدالة الدولية، قضت المحكمة الجنائية الدولية بالسجن عشرين عامًا على أحد أبرز قادة ميليشيا الجنجويد في دارفور، علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم “علي كوشيب”، بعد إدانته بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الأعوام 2003 و2004. ورغم أن الحكم يمثل خطوة مهمة لضحايا الإقليم الذين انتظروا العدالة لعقود، فإن صدوره أعاد إلى الواجهة التساؤلات بشأن الجهات التي دعمت هذه الميليشيات، وعلى رأسها الإمارات التي تتهمها الخرطوم بتسليح قوات الدعم السريع، الوريث العسكري المباشر للجنجويد.
الحكم الدولي على كوشيب اعتُبر تتويجًا لملف دامٍ خلّفت فيه الجنجويد مئات الآلاف من القتلى والنازحين، وارتكبت فيه انتهاكات واسعة بحق المدنيين، بينها القتل الجماعي والاغتصاب والحرق المتعمد للقرى. وقد رأت المحكمة أن المتهم لعب دورًا محوريًا في إدارة الهجمات، وتنظيم الحملات التي استهدفت سكان دارفور، وأن مسؤوليته لم تكن شكلية، بل نابعة من قيادة فعلية ومباشرة.
ورغم أن الادعاء الدولي كان يطمح إلى عقوبة السجن المؤبد نظرًا لفداحة الجرائم، فإن صدور حكم بالسجن عشرين عامًا لا يقلل من رمزيته، خصوصًا أن المتهم تجاوز منتصف السبعينيات من عمره، ما يعني فعليًا أنه قد يقضي بقية حياته خلف القضبان. لكن رمزية الحكم لا تتعلق بشخص المتهم وحده، بل تنسحب على السياق الأوسع، حيث يُنظر إلى هذه الإدانة باعتبارها بوابة محتملة لفتح ملفات أخرى أكثر حساسية تتعلق بداعمي الميليشيات.
دور الإمارات… الاتهامات التي لم تُغلق بعد
منذ اندلاع الحرب الأخيرة في السودان، تزداد الاتهامات التي توجّهها الحكومة السودانية إلى الإمارات، معتبرةً أنها لعبت دورًا محوريًا في دعم ميليشيا الدعم السريع بالسلاح والتمويل، وهي الميليشيا التي تُعد الامتداد الفعلي للجنجويد التي قادها كوشيب ورفاقه. ورغم نفي أبوظبي المتكرر لهذه الاتهامات، فإن الخرطوم قدمت بالفعل شكوى دولية تتهم فيها الإمارات بالمساهمة في تغذية الصراع، قبل أن تُرفض الشكوى لاعتبارات تتعلق بالاختصاص القانوني وليس لغياب الأدلة أو عدم صحتها.
هذا الرفض القانوني، وإن كان يعني توقف المسار القضائي حينها، فإنه لم يغلق باب النقاش السياسي والحقوقي بشأن دور الإمارات في تسليح الميليشيات، خصوصًا أن منظمات دولية وثّقت حركة الأسلحة التي وصلت إلى قوات الدعم السريع خلال الشهور الماضية، بالتزامن مع توسع رقعة الانتهاكات في مدن مثل الفاشر والجنينة ونيالا.
وقد أعاد الحكم الأخير ضد زعيم الجنجويد تسليط الضوء على سؤال رئيسي: هل يمكن أن يمتد مسار العدالة ليشمل ممولي الميليشيات وداعميها، وليس مرتكبي الجرائم وحدهم؟
الدعم السريع… إرث الجنجويد بوجه جديد
ترى منظمات حقوقية عديدة أن الدعم السريع ليست سوى الجيل الجديد لميليشيا الجنجويد، من حيث البنية والتنظيم والنهج القائم على السيطرة بالعنف. ومع اتساع دور الميليشيا خلال السنوات الماضية، واشتباكها العسكري مع الجيش السوداني، تصاعدت الاتهامات بمسؤوليتها عن جرائم تطهير عرقي وانتهاكات واسعة ضد المدنيين، خصوصًا في إقليم دارفور.
وفي الوقت الذي تجري فيه المحكمة الجنائية الدولية مراجعات أولية بشأن إمكانية توسيع نطاق التحقيق ليشمل الانتهاكات الحديثة، يصبح الدعم السريع مرشحًا للوقوف أمام المساءلة، لا سيما إذا ثبت أن قياداته استمرت في تبني منهج الجنجويد نفسه، أو استخدمت السلاح في عمليات تهجير وقتل جماعي.
هنا تحديدًا يتقاطع الحكم مع الاتهامات الموجهة للإمارات. إذ إن أي إثبات لدور خارجي في تسليح ميليشيا متهمة بارتكاب جرائم حرب سيؤدي بصورة طبيعية إلى طرح سؤال المسؤولية المشتركة، وربما يُمهّد لملاحقات دولية من نوع مختلف تعتمد على مبدأ “المسؤولية عن الدعم والمساهمة في الجريمة”.
العدالة الدولية… خطوة بدأت ولن تتوقف
تُعد إدانة كوشيب سابقة أولى في مسار طويل، لكن المسار ذاته قابل للتمدد. فالجرائم في دارفور لم تُرتكب فقط في بداية الألفية، بل تجددت موجاتها بصور أبشع في بعض المناطق خلال العامين الأخيرين. ومع تزايد المطالب الدولية بفتح ملفات جديدة، وارتفاع الضغط الحقوقي على الحكومات الداعمة للميليشيات، يبدو أن المحكمة الجنائية الدولية ستواجه خلال الفترة المقبلة تحديًا حقيقيًا لتوسيع نطاق مساءلتها.
في هذا السياق، يصبح السؤال المطروح: هل ستبقى الإمارات بعيدة عن دائرة الاتهام؟
الجواب يعتمد على مدى قدرتها على تقديم تفسيرات مقنعة للمجتمع الدولي، وعلى نجاح السودان في تقديم أدلّة دامغة تربط بين الدعم الخارجي والانتهاكات الميدانية. فالإدانة الحالية خلقت سابقة قانونية يمكن الاستناد إليها في مساءلة كل من شارك أو ساهم أو سهّل ارتكاب الجرائم، بما في ذلك الدول الداعمة.
خلاصة
الحكم بسجن زعيم الجنجويد عشرين عامًا ليس مجرد نهاية لقضية قديمة، بل بداية فصل جديد في ملف دارفور. إنه رسالة واضحة بأن الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن كل من يشارك في تغذية الصراعات وعمليات الإبادة قد يجد نفسه أمام العدالة يومًا ما.
ومع استمرار الحرب في السودان، وتوسع دور ميليشيا الدعم السريع، ووجود اتهامات بتدخلات إماراتية في الصراع، فإن الفصل القادم قد يشهد تحولات أكبر، وربما مساءلات أوسع نطاقًا، تطال هذه المرة الداعمين قبل المنفذين.
اقرأ أيضًا : لسعودية تسمح بشراء الكحول لأصحاب الدخل المرتفع من الأجانب… خطوة جديدة في مسار “تفكيك الهوية العربية”
