بقلم/ محمود منصور
في تطور ينذر بتفاقم تبعات الحرب السودانية وتوسع رقعة الانتهاكات، كشفت شبكة أطباء السودان في بيان صادم، الأربعاء، أن ميليشيا الدعم السريع تحتجز أكثر من 19 ألف شخص في سجون ومعتقلات بولاية جنوب دارفور، في ظروف وصفتها بأنها “بالغة السوء” و“غير إنسانية”، وسط تزايد الوفيات وانتشار وباء الكوليرا داخل مواقع الاحتجاز.
وتأتي هذه المعلومات بينما تتصاعد الاتهامات الدولية والإقليمية لدور الإمارات في دعم الميليشيا بالسلاح والمال والمرتزقة، وهو دعم تقول منظمات حقوقية إنه أسهم بشكل مباشر في اتساع رقعة المجازر والانتهاكات التي تُرتكب بحق المدنيين، خصوصًا في دارفور وكردفان.

اعتقالات واسعة وبيئة احتجاز قاتلة
ووفق البيان، حصلت شبكة أطباء السودان على معلومات موثوقة من داخل مدينة نيالا تشير إلى “حملات اعتقال واسعة” طالت عناصر من القوات النظامية ومهنيين مدنيين ونشطاء سياسيين، حيث تُدار عمليات الاحتجاز داخل “بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الشروط الإنسانية والقانونية”، وسط حرمان المعتقلين من الغذاء الكافي والرعاية الطبية والاتصال بأسرهم.
وتقول الشبكة إن عدد المحتجزين تجاوز 19 ألف شخص، موزعين بين سجني دقريس وكوبر، بالإضافة إلى معتقلات تابعة لميليشيا الدعم السريع في ولايات دارفور المختلفة.
تفاصيل أعداد المحتجزين كما أوردها البيان:
- 4270 من قوات الشرطة
- 544 من جهاز الأمن
- 3795 من القوات المسلحة
- 5000 من معتقلي مدينة الفاشر
- مجموعات من القوات المساندة للجيش
- 5434 من المهن المدنية وسياسيين وإعلاميين
- 73 من الكوادر الطبية
وتؤكد الشبكة أن هذه الأعداد “قد تكون أكبر من ذلك بكثير” في ظل غياب الشفافية ومنع المنظمات المستقلة من دخول مواقع الاحتجاز.
الكوليرا تفتك بالمعتقلين و”وفيات أسبوعية”
أخطر ما ورد في بيان شبكة أطباء السودان هو التحذير من “انهيار كامل للبيئة الصحية داخل المعتقلات”، إذ ينتشر وباء الكوليرا نتيجة غياب العزل الطبي، شح المياه الصالحة للشرب، وسوء النظافة، إضافة إلى الازدحام الشديد وتكدس المحتجزين في غرف ضيقة.
وقالت الشبكة إن السجون تشهد تسجيل “أكثر من أربع وفيات أسبوعيًا” بسبب الإهمال الطبي، مع عدم توفر الكوادر الصحية أو وسائل الإسعاف أو إمكانية تحويل الحالات الحرجة إلى المستشفيات.
وتتهم الشبكة ميليشيا الدعم السريع بتعمد إخفاء أوضاع المعتقلين ومنع الأسر من الوصول إلى قوائم المحتجزين، مطالبة الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية بالتدخل العاجل.
حتى لحظة نشر التقرير، لم تُصدر ميليشيا الدعم السريع أي تعليق على ما ورد في البيان.
هجوم بطائرة مسيّرة يقتل قيادات قبلية وعناصر من الميليشيا
وفي سياق موازٍ، تصاعد التوتر في ولاية غرب كردفان، عقب مقتل سبعة من قيادات الإدارة الأهلية إلى جانب عشرات من عناصر ميليشيا الدعم السريع، يوم الثلاثاء، إثر استهدافهم بطائرة مسيّرة قرب حقل هجليج النفطي.
وذكرت مصادر محلية أن الهجوم وقع في منطقة “فاما” أثناء زيارة وفد من الزعماء المحليين لمحيط الحقل، بعد يوم واحد من إعلان الميليشيا سيطرتها على المنطقة وإجبار الجيش على إجلاء العاملين.
واتهم قائد الميليشيا محمد حمدان دقلو (حميدتي) الجيش السوداني بالمسؤولية عن القصف، مؤكدًا أن الهجوم أدى إلى مقتل القيادات القبلية وعناصر من قوة حماية هجليج.
هجليج.. ساحة صراع تتوسع وتكشف عمق الأزمة
استعادة ميليشيا الدعم السريع السيطرة على حقل هجليج – أحد أهم الموارد النفطية في السودان – أعاد إشعال جبهة القتال في كردفان، وفتح الباب أمام احتمال توسع الصراع نحو مناطق إنتاج النفط، ما ينذر بكارثة اقتصادية وإنسانية جديدة.
وتتهم السلطات السودانية الميليشيا مرارًا باستهداف منشآت نفطية، بينها قصف محطة معالجة بترول جوبا في ولاية النيل الأبيض في نوفمبر الماضي، بينما تواصل الميليشيا توسيع سيطرتها على ولايات دارفور الخمس باستثناء أجزاء من شمال دارفور.
وتشهد ولايات كردفان اشتباكات عنيفة أدت خلال الأسابيع الماضية إلى نزوح عشرات الآلاف، في واحدة من أسوأ موجات النزوح منذ بداية الحرب في أبريل 2023.
الإمارات.. دعم خارجي يغذي الانتهاكات
تتزامن هذه التطورات مع استمرار الاتهامات الدولية الموجهة إلى الإمارات بتوفير الدعم العسكري والمالي واللوجستي لميليشيا الدعم السريع، بما في ذلك:
- شحنات أسلحة وصلت عبر التشاد
- دعم مالي ولوجستي يسمح باستمرار عمليات التجنيد
- رعاية شبكات مرتزقة أجانب، بينهم كولومبيون، في مناطق القتال
وتقول منظمات حقوقية إن هذا الدعم كان “عاملًا حاسمًا” في تمكين الميليشيا من بسط نفوذها في دارفور وبدء حملات اعتقال واسعة وانتهاكات ممنهجة ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
سودان يغرق في أزمة غير مسبوقة
يدفع السودان ثمنًا باهظًا لحرب ممتدة منذ أبريل 2023، تسببت في مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص، وسط فشل دولي في وقف نزيف الدم وتلاشي فرص الحل السياسي.
ومع استمرار الإمارات في دعم ميليشيا متهمة بارتكاب الفظائع، وتزايد الانتهاكات داخل المعتقلات، وانفجار التوتر في كردفان، يبدو أن السودان يدخل مرحلة أشد قسوة، حيث يتحول الاحتجاز الجماعي والقصف العشوائي والسيطرة على الموارد إلى أدوات لإدارة الصراع، بعيدًا عن أي اعتبارات إنسانية أو سياسية.
اقرأ أيضًا : عقوبات أمريكية على شبكة كولومبية لتجنيد المرتزقة للسودان.. وغطاء سياسي لحماية الدور الإماراتي خلف الكواليس