كشفت وثائق جديدة قُدمت إلى مجلس الأمن الدولي عن تورطٍ خطير في مسار الحرب السودانية، بعد العثور على معدات عسكرية بريطانية الصنع في أيدي ميليشيا “قوات الدعم السريع” (RSF)، التي تتهمها الأمم المتحدة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية ضد المدنيين في دارفور ومدن أخرى.

الوثائق، التي نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية، أظهرت أدلة مادية على أن بعض هذه المعدات وصلت إلى السودان عبر الإمارات العربية المتحدة، في مخالفة واضحة لحظر السلاح المفروض على البلاد منذ عام 2004، وهو ما أثار ضجة سياسية وحقوقية واسعة حول دور أبوظبي وشركات بريطانية في تغذية النزاع الدامي.

دور الإمارات في التوريد وتمرير الأسلحة

التقرير الأممي تضمن دفاتر عسكرية صادرة عن الجيش السوداني في يونيو 2024 ومارس 2025، توثق وصول شحنات من الأسلحة والمعدات التقنية إلى قوات الدعم السريع، مصدرها دولة الإمارات.

وتشير البيانات إلى أن بعض المركبات العسكرية التي تستخدمها الميليشيا، مثل مدرعات Nimr Ajban المنتجة من قبل مجموعة EDGE Group الإماراتية، تحتوي على محركات مصنعة في بريطانيا بواسطة شركة Cummins عام 2016.

الخطير في هذه المعلومات أن الحكومة البريطانية كانت على علم منذ سنوات باستخدام هذه المدرعات في صراعات إقليمية مثل ليبيا واليمن، ومع ذلك استمرت في منح تراخيص تصدير معدات عسكرية للإمارات، التي أصبحت محطة عبور للأسلحة نحو مناطق النزاع.

تواطؤ بريطاني أم تجاهل متعمد؟

منذ عام 2015 وحتى سبتمبر 2024، منحت الحكومة البريطانية 26 ترخيصًا دائمًا لتصدير أجهزة تدريب على الأسلحة الصغيرة ومكونات عسكرية إلى الإمارات. وفي سبتمبر 2024 تحديدًا، وبعد ثلاثة أشهر فقط من تقديم مجلس الأمن صورًا تثبت وجود تلك المعدات في السودان، وافقت لندن على ترخيص فردي مفتوح يسمح بتصدير كميات غير محدودة من نفس الفئة إلى الإمارات دون رقابة صارمة على وجهتها النهائية.

هذا التساهل أثار تساؤلات حول مدى التزام بريطانيا بمسؤولياتها الأخلاقية والقانونية، خاصة وأن سجل الإمارات في نقل الأسلحة إلى أطراف منتهكة للقانون الإنساني الدولي بات معروفًا لدى المؤسسات الأممية.

جرائم الإمارات وامتدادها في السودان

تُتهم الإمارات منذ اندلاع الحرب السودانية بدعم قوات الدعم السريع سياسيًا وعسكريًا، من خلال إمدادها بالسلاح والمال والغطاء اللوجستي عبر قواعدها في شرق إفريقيا واليمن.

وتشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية إلى أن هذا الدعم كان حاسمًا في تمكين قوات الدعم السريع من السيطرة على مدن كبرى مثل الفاشر ونيالا، حيث ارتُكبت مذابح واسعة ضد المدنيين المنتمين لقبائل الزغاوة والفور والمساليت.

كما تم توثيق استخدام طائرات مسيّرة إماراتية الصنع في عمليات القصف التي طالت أحياء سكنية في دارفور، فضلاً عن تزويد الميليشيا بشاحنات عسكرية مزودة بأنظمة مراقبة واتصالات متقدمة، ما منحها تفوقًا ميدانيًا على الجيش السوداني.

هذه الأدلة، إلى جانب وجود معدات بريطانية المصدر في مسرح العمليات، تُظهر شبكة معقدة من المصالح والصفقات التي جعلت الإمارات بمثابة مركز عبور لتسليح الميليشيات في إفريقيا، رغم خطاباتها الرسمية حول “دعم الاستقرار الإقليمي”.

موقف لندن والشركات المتورطة

شركة Cummins البريطانية نفت أي علاقة مباشرة بصادراتها إلى السودان، مؤكدة أن تعاملاتها التجارية كانت قانونية وموجهة إلى الإمارات كمستورد رسمي.

غير أن خبراء الأسلحة يرون أن هذا الدفاع غير مقنع، لأن القوانين البريطانية تُلزم الشركات بالتأكد من عدم استخدام منتجاتها في انتهاكات حقوق الإنسان أو تحويلها إلى أطراف ثالثة في مناطق نزاع.

وفي هذا السياق، قال مايك لويس، عضو سابق في لجنة خبراء الأمم المتحدة للسودان:

“كان ينبغي على الحكومة البريطانية أن توقف هذه التراخيص منذ سنوات. المخاطر كانت واضحة، والإمارات لديها تاريخ في نقل الأسلحة إلى مناطق نزاع دون رقابة.”

أما الخارجية البريطانية، فبررت موقفها بالقول إن لندن تمتلك “أحد أكثر أنظمة مراقبة تصدير الأسلحة شفافية في العالم”، مشيرة إلى أن بعض التراخيص تُرفض بالفعل حين يُشتبه في استخدامها غير المشروع.

لكن هذا التبرير بدا هشًا أمام حقائق الميدان، حيث تظهر معدات بريطانية في حرب أودت بحياة أكثر من 150 ألف شخص، وتسببت في نزوح 12 مليون سوداني، بينهم أطفال يعيشون على حافة المجاعة.

دعوات للتحقيق الدولي ومساءلة الإمارات

منظمات حقوقية بريطانية وسودانية طالبت بفتح تحقيق أممي عاجل في كيفية وصول الأسلحة البريطانية إلى قوات الدعم السريع، ودور الإمارات في تلك السلسلة.

وقال عبدالله إدريس أبوغاردا، رئيس جمعية دارفور في المهجر:

“ما يحدث هو تواطؤ دولي في جريمة إبادة. يجب على بريطانيا والإمارات أن تتحملا المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن هذه الكارثة.”

كما دعا خبراء إلى فرض عقوبات دولية على الشركات الإماراتية المتورطة، وعلى الحكومة البريطانية إذا ثبت علمها بعمليات التحويل، مؤكدين أن استمرار غضّ الطرف يجعل هذه الدول شريكة في جرائم الحرب بدارفور.

خاتمة: حرب السودان بين المال والسلاح

تكشف هذه القضية عن واحدة من أكثر زوايا الحرب السودانية ظلمة، حيث تتقاطع مصالح السلاح والمال والسياسة في مشهد دموي يدفع المدنيون ثمنه.

فالإمارات، التي ترفع شعار “السلام والتنمية”، تتحول مرة أخرى إلى مركز لتغذية الحروب بالوكالة، فيما تغضّ لندن الطرف عن استخدام منتجاتها في نزاعات دموية.

وبينما تستمر المآسي في دارفور والفاشر ونيالا، يبقى السؤال:

هل سيتحرك المجتمع الدولي أخيرًا لكبح هذه الشبكات المظلمة، أم ستظل تجارة السلاح أقوى من دماء الأبرياء؟

اقرأ أيضًا :بدعم إماراتي.. جرائم الدعم السريع تفوق التصور في السودان