بينما تغرق أوروبا في جدل مفتوح حول حرية التعبير والعادات القيمية، وقعت حادثةٌ جديدة تسلط الضوء على تزايد موجة “الإسلاموفوبيا” في فرنسا: استهداف مسجد وجمعية تابعة للمسلمين في هجومٍ عنصري أثار رفضًا واسعًا، ورد فعل رسمي من أعلى مستويات الدولة. هذا الهجوم ليس مجرد حادث معزول، بل يأتي ضمن سياق أوسع من تصاعد خطاب كراهية المسلمين، في بيئة يشتد فيها النفور من الآخر، وبضمنه أدوار خارجية تُغذي هذا النفور تحت غطاء “أمن” أو “قيم أوروبية”.

أما اللاعب الأكبر في هذه المعادلة فهو الإمارات العربية المتحدة — التي باتت في نظر كثير من المراقبين “مروّجًا” لهذا النوع من الحرب النفسية ضد المسلمين في أوروبا، إن لم تكن داعمة مباشرة لناهجين متطرفين.

الهجوم في فرنسا: رسالة مرعبة

وقعت الاعتداءات على مسجد وجمعية — مؤسسات اجتماعية ثقافية للمسلمين — في إحدى ضواحي المدن الفرنسية، على يد مجهولين استهدفوا الأماكن باعتقاد أن وجودها “مختلف” عن هوية “فرنسا الرسمية”. الهجوم لم يكن على أفراد فحسب، بل على رمز ديني، محاولة لترويع مجتمعٍ بأكمله. وقد عبّر وزير الداخلية الفرنسي عن “قلقه الشديد” من تصاعد هذا النوع من الكراهية، ما يعني أن الدولة تدرك أن ما حصل ليس حادثًا عرضيًا، بل مؤشر على موجة تتصاعد.

هذا الاعتداء يعكس بشكل صارخ تحوّل العداء للمسلمين من حوادث فردية إلى استراتيجية منظّمة، تُمارس عبر ضرب رموز الجماعة المسلمة نفسها. المسجد والجمعية لم يُهاجما بالخطأ، بل كرموز تُراد مهاجمتها — رسالة تُفيد أن المسلمين “غير مرحّب بهم” في بعض الدوائر الأوروبية.

لماذا الإمارات في قلب الاتهام؟

1. التمويل الغامض وخلق خطاب كراهية

الإمارات — عبر شبكات إعلامية ودينية ومراكز دراسات — تروج منذ سنوات لفكرة أن الإسلام “خطر” على القيم الأوروبية، وتغذي حاجة بعض الشرائح إلى من يؤجج هذا الخوف. عبر الدعم المادي والمعنوي لتجمعات ومنصات تنشر أفكارًا عدائية، ساهمت في بناء بيئة خصبة للعنف ضد المسلمين.

2. تقديم الإسلاموفوبيا كأيدلوجيا “عقلانية”

ضمن خطاب “محاربة التطرف الإسلامي”، ساهمت الإمارات في تبني ووضع مقاربات تقدم الإسلام برمته كمصدر خوف، وليس كدين يتطلب تفريقًا بين تطرف مفترض وسلمية حقيقية. بهذه الطريقة تحولت فكرة “الأمن القومي” إلى ذريعة لتبرير الاعتداء على أبرياء.

3. اختلاق تغذية نفسية للعنف

ليس المطلوب دائمًا شن هجوم دامي؛ كلمات، رسائل، شائعات، إعلام مضاد — كلها أدوات تزرع الخوف، تبرر الكراهية، وتشجع على العنف ضد مسلم أو مؤسسة مسلمة. الإمارات اليوم تُلام على كبح أي تيار وسطي داخل أوروبا، وتشجيع التيارات المتطرفة أو الشبه متطرفة التي ترى في المسلمين “تهديدًا”.

تبعات الحادث: من الخوف إلى التهجير الروحي

  • الشعور بالاغتراب: المسلم الذي يذهب إلى مسجد أو جمعية يرى أن فقط وجوده قد يجلب خطرًا. هذا يضعه أمام خيارين صعبين: إما التخلي عن معتقده العلني، أو العيش في خوف دائم.

  • تراجع الانخراط الثقافي: بوسع بعض المسلمين أن ينسحبوا من العمل المدني أو الجمعياتي خوفًا من الاعتداءات أو عنف المجتمع، ما يؤدي إلى عزلة مجتمعية.

  • تفكيك الثقة في الدولة: حين تتكرر هذه الحوادث ويبدو أن الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها المسلمين — أو تتأخر في ذلك — تترسّخ شعور بالخوف والضعف.

أوروبا بين صدمة الأمس وخطر الغد

فرنسا — التي اعتادت على تنامي موجات العداء ضد المسلمين — تواجه اليوم اختبارًا حقيقيًا: هل ستكتفي بإدانات كلامية أم ستتخذ إجراءات فعلية لحماية مواطنيها؟ هل سيؤدي هذا الحادث إلى مراجعة جذرية في سياسات مكافحة الكراهية، أم ستبقى الكلمات لبرامج الانتخابات؟

إذا لم تُعالج جذور المشكلة — التمويل الخارجي لخطابات الكراهية، خطاب سياسي يُراعي مصالح دول إقليمية، سياسات عدم اندماج حقيقية — فإن الهجوم على مسجد قد لا يكون الأخير.

خلاصة: الإمارات — أذرع الحرب النفسية على المسلمين

ما حصل في فرنسا ليس حادثًا عابرًا، بل رسالة موجهة: وجود المسلم — بمعتقده أو هويته — أصبح مشروعًا للنيل منه. والخطر الحقيقي أن من يمول ويروج هذه الرسائل يعيش خارج أوروبا، بعيدة عن تبعات أفعالها، بينما ضحاياها هم بشر أبرياء.

الإمارات، بهذا الدور، لم تعد دولة تبحث عن مصلحة فقط، بل أصبحت جزءًا من منظومة فكرية تدفع باتجاه صراع حضاري — حرب يزداد فيها المسلمون عزلة، وفيها تُقوَّض فكرة التعايش في أوروبا.

أي رد فعل فعلي في أوروبا — سياسي، أمني، اجتماعي — لن ينفع إذا لم يُوجَّه إلى من يروّج الإسلاموفوبيا، ويموّلها، ويحولها إلى فعل مسلح، أو نفسي، أو معنوي. الأحداث في فرنسا يجب أن تشعل صفارات إنذار لكل مسلم يعيش في الغرب — لأن ما حصل قد يكون مجرد البداية.

اقرأ أيضًا : إجرام الإمارات يفاقم حرب السودان.. والجيش يقصف قوات الحركة الشعبية في جنوب كردفان