في واحدة من أبشع الجرائم التي تكشف البعد الحقيقي للدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع، ظهرت أدلة وشهادات جديدة تؤكد أن الفصيل شبه العسكري الذي اجتاح مدينة الفاشر بعد حصار دام 18 شهراً، يمارس احتجازاً ممنهجاً للمدنيين وابتزاز عائلاتهم عبر طلب فدى مالية ضخمة، مع تنفيذ عمليات قتل وتعذيب ضد من يعجزون عن الدفع. وتقدم هذه الشهادات، التي نقلها ناجون وعاملون في الإغاثة وباحثون، صورة صادمة لواقع الانتهاكات التي تُرتكب بعيداً عن أنظار العالم، بينما تواصل الفاشر والقرى المحيطة بها الغرق في كارثة إنسانية مركّبة.

مراكز احتجاز سرّية وابتزاز منظم: المال مقابل الحياة

أغلب الشهادات تشير إلى شبكة واسعة من مواقع الاحتجاز تمتد في قرى تبعد نحو 80 كيلومتراً عن الفاشر؛ من بينها أم جلبخ وقرني وكورما وشقرة وجبل وانا. الناجون تحدثوا عن آلية متكررة: يُعتقل المدنيون أثناء محاولتهم الهروب من المدينة، يُسأل كل محتجز عن قبيلته، ثم يُطلب من عائلته تحويل فدية تتراوح بين خمسة ملايين و60 مليون جنيه سوداني. هذه المبالغ، التي تصل إلى 17 ألف دولار، تفوق قدرة سكان الإقليم الذين يعيشون في واحدة من أفقر مناطق السودان.

وبحسب شهادات متطابقة، فإن من يعجز عن الدفع يُقتل رمياً بالرصاص أو يُصفّى ضمن مجموعات. ناجون تحدثوا عن رؤية رجال يُعدمون من مسافة قريبة، وآخرين تُركوا ينزفون حتى الموت بعد ضرب مبرح. وفي إحدى الحالات، قتل تسعة رجال أمام محتجزين آخرين لعدم إرسال ذويهم الفدية خلال المهلة المحددة.

محمد إسماعيل، أحد الناجين من طويلة، قال إنه أُسر مع 24 رجلاً، وإنه وابن شقيقه لم ينجوا إلا بعد أن جمعت عائلتهما 10 ملايين جنيه تحت تهديد القتل. بينما قتل أمامهما تسعة محتجزين بعد انتهاء مهلة الدفع. ورغم أن الدعم السريع حاول التبرؤ من هذه الممارسات بادعاء أنها صادرة عن “مجموعات تنتحل الزي”، فإن حجم الانتهاكات، واتساع نطاقها، وتكرار النمط ذاته، كلها تؤكد وجود سياسة ممنهجة لا مجرد تصرفات فردية.

إفلات من العقاب وغياب الدولة.. الفاشر بين فكيّ الإبادة

سقوط الفاشر كان محطة مفصلية في حرب الخرطوم–الدعم السريع، لكن ما تلا السقوط كان أشبه بإعادة إنتاج لجرائم دارفور قبل عشرين عاماً. فالقوات التي اجتاحت المدينة استخدمت من جديد التكتيكات ذاتها: القتل على الهوية، الاغتصاب كسلاح، تصفية المدنيين، واستهداف الشرائح الضعيفة التي لا تملك ثمن الفرار.

تشير التقديرات إلى أن أكثر من 250 ألف شخص كانوا يعيشون في الفاشر قبيل السقوط. ومنذ ذلك الحين، فر أكثر من 100 ألف، بينما علق الباقون في أحياء معزولة أو في قرى تقع تحت سيطرة الدعم السريع، دون طعام أو دواء أو قدرة على الاتصال. وفي ظل المجاعة المنتشرة في الإقليم، تحولت عمليات الاحتجاز والفدى إلى تجارة مزدهرة، خصوصاً أن الدعم السريع جند مقاتلين وعناصر قبلية على وعود بالنهب بدل الرواتب.

صور أقمار صناعية لقرية قرني أظهرت مئات الملاذات الجديدة داخل مكان واحد، ما يشير إلى وجود مراكز احتجاز ممتدة المدى، وليس اعتقالاً مؤقتاً. كما أكدت شهادات ثمانية ناجين أن المحتجزين يُعادون أيضاً إلى داخل الفاشر نفسها، ويُحتجزون في منشآت عسكرية وجامعية مقابل فدى مالية.

أحد المحتجزين، معلم يبلغ 62 عاماً، قال إنه احتُجز في مستشفى الفاشر للأطفال مع مئات الرجال، وإن المحتجزين كانوا يشربون من بركة مياه تبين لاحقاً أنها مياه صرف صحي، مشيراً إلى وفاة نحو 300 رجل داخل المكان بسبب العطش والمرض.

تعذيب، اغتصاب، وعنف جنسي ممنهج

شهادات النساء كشفت جانباً آخر من الرعب. روت نساء احتُجزن في قرية قرني أنهن تعرضن لعصب أعينهن واغتصابهن لأيام. إحدى الناجيات قالت إنها شاهدت عناصر الدعم السريع يعتدون جنسياً على نساء أخريات، وإنهم هددوا بقتلها عندما حاولت التدخل. هذه الممارسات تُعيد إلى الأذهان تقارير الإبادة الجماعية الأولى في دارفور في مطلع الألفية، حيث استخدم الاغتصاب كسلاح لتفكيك البنية الاجتماعية.

مقاتلو الدعم السريع لجؤوا إلى وسائل اتصال متطورة، بينها أجهزة “ستارلينك” التي انتشرت في الأراضي التي يسيطرون عليها بسبب انقطاع الشبكات. أحد الناجين قال إن الخاطفين أجروا اتصال فيديو مع أسرته لوضع مسدس على رأسه، تماماً كما تفعل عصابات تهريب البشر في ليبيا، لإجبار العائلة على الدفع.

ابتزاز يعيد تشكيل خريطة النزوح.. وغياب تام للمنقذين

معظم من تمكنوا من الفرار وصلوا إلى طويلة أو إلى الحدود التشادية. لكن عشرات الآلاف ما يزالون محتجزين داخل نطاق سيطرة الدعم السريع، غير قادرين على الرحيل بسبب المرض أو العجز المالي. بعض الأسر اقترضت بضمان منازلها لتدفع الفدى، ما ينذر بأزمة اجتماعية واقتصادية موازية لأزمة النزوح.

دفعت موجات النزوح الضخمة إلى مضاعفة الضغط على المناطق الآمنة، بينما أخفقت المنظمات الدولية في الوصول إلى الفاشر بسبب استمرار المعارك وخطر التعرض للاحتجاز أو القتل.

خاتمة: جريمة مركبة تُدار بصمت دولي مخجل

الجرائم التي تُرتكب في الفاشر اليوم ليست مجرد انتهاكات عشوائية، بل منظومة متكاملة من الاحتجاز القسري، الابتزاز المالي، العنف الجنسي، والإعدام الميداني. ويزداد المشهد قتامة عندما ندرك أن هذه الانتهاكات تجري في ظل دعم سياسي وعسكري معروف المصدر، خصوصاً من دول خارجية — وعلى رأسها الإمارات — التي جعلت من قوات الدعم السريع أداة لحروب الوكالة وزعزعة الاستقرار في الإقليم.

الفاشر اليوم ليست مدينة ساقطة فحسب، بل مسرح لجريمة مستمرة تتطلب تحقيقاً دولياً عاجلاً، ومساءلة حقيقية، قبل أن تتحول ما تبقى من دارفور إلى مقبرة مفتوحة بلا شهود.

اقرأ أيضًا : اغتيال ياسر أبو شباب.. نهاية دموية لعميلٍ صنعته إسرائيل