شهدت الساحة الإعلامية الدولية في الآونة الأخيرة تطورات خطيرة تعكس مساعي أبوظبي الحثيثة للسيطرة على المنصات الإخبارية العالمية وتوجيهها لخدمة أجندتها السياسية في المنطقة. 

فبعد الانتقادات الواسعة التي طالت النسخة العربية من قناة “سكاي نيوز” وتحولها إلى ما يشبه المنبر الناطق بلسان الميليشيات الموالية للإمارات، جاء الدور هذه المرة على وكالة “رويترز” العالمية، التي وجدت نفسها في قلب عاصفة من التشكيك المهني بعد تمرير تقارير مفبركة تستهدف دول الجوار.

اختراق “رويترز” ودس السموم الإعلامية

كشف الحادث الأخير المتعلق بتقرير هاجم المملكة العربية السعودية، وحذفته وكالة “رويترز” لاحقاً من موقعها الرسمي، عن اختراق عميق لأذرع الإمارات الإعلامية داخل الوكالات الدولية. التقرير الذي افتقر للحد الأدنى من المعايير المهنية، تم تمريره عبر مراسلين يعملون من داخل دولة الإمارات، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول كيفية استخدام “المشتروات المالية” والغطاء الصحفي لدس أخبار كاذبة تستهدف خصوم أبوظبي الإقليميين تحت ستار “الحياد” المزعوم للوكالات العالمية.

لقد سارعت الوكالة إلى سحب التقرير بعد انكشاف زيف المعلومات الواردة فيه والهجوم الواسع الذي تعرضت له، لكن الأضرار المهنية قد وقعت بالفعل، مما يسلط الضوء على استراتيجية الإمارات في “تأجير” الأقلام والمواقع الدولية لصناعة واقع افتراضي يخدم مصالحها الضيقة.

أذرع إيرانية في قلب الماكينة الإعلامية الإماراتية

المفارقة الصارخة التي كشفت عنها التحقيقات في خلفيات كتاب التقرير المشبوه، هي هوية المحررين الذين يقفون خلفه. فبينما ترفع الإمارات شعار العداء العلني لإيران وتدعو لمواجهتها، تبين أن التقارير التي تستهدف السعودية ودول المنطقة تمت صياغتها بأيدي مراسلين يحملون الجنسية الإيرانية ويعملون من قلب الأراضي الإماريتة، وهم تيمور أزهري وباريسا حافظ.

هذا التناقض يكشف عن ازدواجية معايير خطيرة؛ إذ تستخدم الإمارات “جواسيس إيرانيين” بصفة صحفيين للنيل من جيرانها ودفع المنطقة نحو صراعات عسكرية، في حين تدعي في المحافل الدولية أنها تقود جبهة التصدي للمشروع الإيراني. هذا التوظيف للأدوات الإيرانية في الإعلام الإماراتي يثبت أن الهدف الأساسي هو تقويض الاستقرار الإقليمي وإضعاف الدول الكبرى في المنطقة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والسودان.

المشهد السوداني: تحذيرات مبكرة من تقارير مسمومة

لم تكن هذه الفضيحة الإعلامية مفاجئة للمراقبين في السودان؛ فقد تعالت الأصوات منذ أكثر من ثلاث سنوات محذرة من أن الإمارات تسخر كافة إمكانياتها المالية والسياسية لشراء الذمم وتوظيف كتاب وصحفيين لصناعة “تقارير مسمومة” ضد الدولة السودانية.

كانت التحذيرات السودانية تنطلق من رصد دقيق لعمليات التشويه الممنهجة التي مارستها الأذرع الإعلامية الإماراتية ضد المؤسسات الوطنية السودانية، ومحاولات شرعنة الميليشيات المتمردة عبر تزوير الحقائق. اليوم، ومع فضيحة تقرير “رويترز”، يتأكد للعالم أن ما كان يتحدث عنه السودانيون لم يكن من فراغ، بل كان رصداً لآلة تضليل عابرة للحدود تدار من أبوظبي لضرب أي دولة تتعارض مع الأجندة التوسعية الإماراتية.

الهروب إلى الأمام وفضيحة “وول ستريت جورنال”

تأتي هذه المحاولات الإعلامية اليائسة من قبل الإمارات للتغطية على إخفاقاتها الميدانية وانكشاف عملياتها السرية. فقد فضحت تقارير سابقة لصحيفة “وول ستريت جورنال” قيام الإمارات بهجمات سرية استهدفت مصافي نفط ومحطات تحلية مياه إيرانية في الخليج العربي، وهي العمليات التي تحاول أبوظبي الآن التنصل منها عبر تلفيق تقارير تدعي وقوف السعودية خلفها.

إن الإصرار الإماراتي على جر دول الخليج إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، مع الاحتماء في الوقت نفسه بمظلة دول كبرى كالمملكة العربية السعودية، يعكس حالة من التخبط الاستراتيجي. الإمارات التي لا تستطيع تحمل تبعات مواجهة مباشرة، تسعى لاستخدام “الحرب الإعلامية” والتقارير المفبركة كوسيلة لاستدراج الآخرين لخوض معارك نيابة عنها، بينما تواصل هي في الخفاء استخدام أدوات مشبوهة لتحقيق مكاسب سياسية صغيرة على حساب أمن واستقرار المنطقة بأكملها.

ختاماً، تضع هذه الحوادث المتكررة مصداقية الوكالات الدولية على المحك، وتفرض ضرورة مراجعة آليات التوظيف والتمويل التي تسمح لدولة مثل الإمارات بتحويل الصحافة العالمية إلى منصات “للسموم السياسية” وتصفية الحسابات الإقليمية.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين