تكشف الوقائع المتلاحقة هذا الأسبوع حجم التواطؤ العلني بين النظام الإماراتي والسلطة الفلسطينية في دعم المشروع الصهيوني، بدءًا من اعتماد أبو ظبي رسميًا لأوراق السفير الإسرائيلي الجديد، مرورًا بالاجتماع الحميمي بين وزير الخارجية الإماراتي ونظيره الإسرائيلي في قلب العاصمة الإماراتية لبحث سبل “تطوير العلاقات”، وصولًا إلى الحملة المسعورة التي تستهدف الدكتور مصطفى البرغوثي بسبب تصريحاته التي فضحت هذا التعاون وسط استمرار الإبادة الجماعية بحق أهالي غزة.

الدكتور مصطفى البرغوثي، الذي لم يتوقف منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 عن الدفاع عن المقاومة وفضح الاحتلال، تعرض لهجمة منظمة من حسابات ووسائل إعلام ومتصدرين للمشهد السياسي الفلسطيني، على خلفية حديث تلفزيوني انتقد فيه التطبيع الإماراتي الإسرائيلي المستمر رغم المجازر والمجاعة التي تضرب القطاع. البرغوثي قال إن الإمارات لم تكن كذلك في عهد الشيخ زايد، بل إن الاحتلال نجح في زرع أجندته في عقول بعض الحكام الحاليين منذ صغرهم، ليضمن ولاءهم الكامل عند وصولهم للسلطة، كما فعل في بلدان أخرى. كلام البرغوثي لم يحمل شتائم أو إساءات، بل قدّم توصيفًا موضوعيًا لحقيقة مرة، باتت تتجلى يومًا بعد يوم. إلا أن ذلك كان كافيًا ليتحول إلى “عدو” بنظر السلطة الفلسطينية، التي بادرت إلى التبرؤ من تصريحاته والتشكيك في وطنيته، بل ذهب المتحدث باسمها نبيل أبو ردينة لوصفه بـ”المدعو”، متناسيًا أن البرغوثي هو من يقف اليوم مع شعبه لا مع الجلادين.

نبيل أبو ردينة سارع إلى مهاجمة الدكتور مصطفى البرغوثي، واصفًا تصريحاته بأنها “لا تمثل الشعب الفلسطيني”، ومؤكدًا أن السلطة “لن تسمح بالإساءة إلى الرموز العربية”، في إشارة واضحة للدفاع عن النظام الإماراتي. المفارقة أن أبو ردينة نفسه كان قد وصف التطبيع الإماراتي سابقًا بالخيانة، ليعود اليوم ويخوِّن من يرفض هذا التطبيع.

المفارقة الصادمة أن نبيل أبو ردينة نفسه سبق وأن وصف اتفاقات التطبيع بين الإمارات والاحتلال بالخيانة! فكيف تحولت “الخيانة” إلى “رمز عربي شقيق” بمجرد أن وجهت إليها انتقادات جديدة وهي تواصل تنفيذ أجندة الاحتلال على الأرض؟ هل الخيانة حلال عندما تمر عبر السلطة وحرام إن خرج صوت فلسطيني مستقل ليفضحها؟ هذا التناقض يفضح حجم التواطؤ والانهيار السياسي الذي وصلت إليه السلطة، ليس فقط بخذلان غزة، بل بمحاصرة كل صوت يدافع عنها.

أما على الجبهة الإماراتية، فالمشهد أكثر وقاحة ووضوحًا. قبل أيام فقط، سلّم رئيس الإمارات محمد بن زايد أوراق اعتماد السفير الإسرائيلي الجديد لدى أبو ظبي، يوسي شيلي، في احتفال رسمي، وكأن الدم الفلسطيني لا يُسال كل يوم في غزة. يأتي ذلك بعد اجتماعات دبلوماسية حثيثة جمعت عبد الله بن زايد بنظيره الإسرائيلي، لبحث “العلاقات المتطورة” بين البلدين و”الأزمة الإنسانية” في القطاع، في تجسيد فجّ لانفصام لا أخلاقي، يُدين القتل بيد ويتواطأ مع القاتل باليد الأخرى.

الأخطر أن الإمارات لا تكتفي بالتطبيع الدبلوماسي، بل تلعب أدوارًا مشبوهة في تشجيع تهجير سكان غزة وتفريغ القطاع من أهله. مصادر مصرية نقلت للصحافة معلومات عن دور إماراتي نشط في دعم حملات دعائية داخل القطاع تشكك في المقاومة وتحرض ضدها، بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية، من أجل دفع الشباب للهجرة والقبول بأي حل يخرجهم من الجحيم الذي صنعه الاحتلال، بدلاً من مواجهته.

كما أشارت التقارير إلى اتفاقات سرية بين أبو ظبي والسلطة، تتضمن تقديم مساعدات مالية كبيرة للأخيرة، مقابل اتخاذ خطوات ضد حماس والفصائل المقاومة. هذا الدعم يأتي في وقت يعاني فيه الشعب الفلسطيني من الجوع، والحصار، وفقدان الخدمات الأساسية، فيما تُقدّم الملايين كرشاوى سياسية لضرب الإرادة الوطنية من الداخل.

ما يجري ليس خلافًا سياسيًا عابرًا، بل هو محاولة ممنهجة لسحق كل صوت مقاوم، وتجريم كل من يصر على الدفاع عن كرامة الفلسطينيين وحقهم في تقرير مصيرهم. الدكتور مصطفى البرغوثي لا يُهاجم اليوم لأنه أخطأ، بل لأنه قال الحقيقة في وجه محور خياني تحوّل إلى حارس لمصالح الاحتلال ودرع سياسي لمجازره.

إن هذه الأحداث الثلاث – الهجوم على البرغوثي، الاعتماد الرسمي لسفير الاحتلال في أبو ظبي، واللقاءات الودية بين مسؤولي الإمارات وإسرائيل – ليست مجرد وقائع متفرقة، بل هي فصول في مسلسل طويل عنوانه: “التحالف العربي الإسرائيلي ضد المقاومة”. وما لم يواجه هذا الانحراف الأخلاقي والسياسي بموقف شعبي فلسطيني وعربي صريح، فإننا سنشهد قريبًا مرحلة أكثر سوداوية، يكون فيها الحديث عن فلسطين جريمة، وموالاة الاحتلال فضيلة.