نشرت منظمة «فيرسكوير» – في وقت سابق من هذا الشهر– تحقيقًا بعنوان «النفط والشعبوية: الإمارات وحزب الإصلاح البريطاني واليمين المتطرف». يتتبع التحقيق علاقات أبوظبي بقيادات الحزب وشخصيات إعلامية وقوى من اليمين المتطرف، ويسأل كيف يمكن لدولة متهمة بقمع المعارضة والتدخل في صراعات خارج حدودها أن تكتسب نفوذًا داخل الحياة السياسية البريطانية.

في هذه السلسلة، نعرض ما جاء في تحقيق «فيرسكوير» ونفحص الوقائع التي بنى عليها استنتاجاته. يبدأ هذا الجزء من الإمارات نفسها: كيف يرتبط الحكم في عهد محمد بن زايد بعائدات النفط وقمع المعارضة؟ وكيف امتدت سياسة أبو ظبي المناهضة للإسلام السياسي إلى مصر وتونس والسودان، ثم وجدت صدى لدى قوى من اليمين الغربي؟ ومن هذه الخلفية سننتقل في الجزء التالي إلى بريطانيا، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والأمنية مع النفوذ السياسي الإماراتي.

ثروة النفط في خدمة سلطة مغلقة

يحكم محمد بن زايد دولة تُحظر فيها الأحزاب السياسية، ولا تتيح بنيتها السياسية تغيير الحكومة عبر انتخابات تنافسية. ويربط تقرير «فيرسكوير» بين دوام هذا النموذج وسيطرة الحكام على عائدات النفط والغاز، التي يقول إنها تشكّل نحو ٩٠ في المئة من إيرادات الحكومة الإماراتية. وتُستخدم هذه الموارد، بحسب تحليله، في الحفاظ على ولاء النخب وتوفير مستوى مرتفع من المعيشة للمواطنين، بينما يظل الوصول إلى السلطة خارج نطاق المنافسة العامة.

لذلك لا يتعامل التقرير مع النفط بوصفه مصدرًا للثروة وحده. فهو يرى فيه أساسًا ماليًا لنظام الحكم، ووسيلة لتمويل علاقاته العسكرية والسياسية وحملات الضغط والعلاقات العامة في الخارج. ومن هذه الزاوية، تصبح مسألة مستقبل الوقود الأحفوري متصلة بمستقبل السلطة نفسها.

في عام ٢٠٢٣، كشف تحقيق مشترك لمركز التقارير المناخية وهيئة الإذاعة البريطانية عن استخدام الإمارات استضافتها مؤتمر المناخ للترويج لاتفاقات نفط وغاز تخص شركة بترول أبوظبي الوطنية، «أدنوك». ويورد تقرير «فيرسكوير» كذلك تصريحًا لرئيس المؤتمر، سلطان الجابر، أثار جدلًا بشأن الأساس العلمي للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. ثم يشير إلى قرار الإمارات في أبريل ٢٠٢٦ مغادرة منظمة البلدان المصدرة للبترول، وإلى خطط رفع قدرتها الإنتاجية من ٤٫٢ ملايين برميل يوميًا إلى خمسة ملايين بحلول عام ٢٠٣٠.

تكمن المفارقة في أن الدولة التي قدّمت نفسها مضيفة لنقاش عالمي حول أزمة المناخ، تعمل، وفق الوقائع التي يسردها التقرير، على توسيع قدرتها على إنتاج النفط الذي يغذي نفوذها السياسي.

حين أصبح مطلب الإصلاح تهديدًا أمنيًا

يرجع التقرير إلى احتجاجات عام ٢٠١١ لفهم تشدد أبوظبي تجاه المعارضة. ففي ذلك العام، وقّع ١٣٣ إماراتيًا عريضة تطالب بإصلاحات ديمقراطية، بينها حق التصويت. وكان رد السلطات، كما يوثّق التقرير، حملة قمع طالت منتقدين للحكم، ثم اتسعت لتشمل أشخاصًا ارتبطوا بجمعية الإصلاح، التي يصفها بأنها مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين.

وفي عام ٢٠١٣، أُدين عشرات الإماراتيين، بينهم محامون وأكاديميون، في القضية المعروفة باسم «الإمارات ٩٤»، بتهمة محاولة الإطاحة بالنظام السياسي. صدرت بحقهم أحكام وصلت إلى ١٥ عامًا بعد محاكمة جماعية يصفها التقرير بأنها افتقرت افتقارًا جسيمًا إلى العدالة.

لكن القمع لم يقتصر على المنتمين إلى الإسلام السياسي. فـأحمد منصور، المدافع البارز عن حقوق الإنسان الذي يؤكد التقرير أنه لم يكن منتسبًا إلى الإخوان المسلمين، اعتُقل من منزله في مارس ٢٠١٧ بعد انتقادات نشرها للسلطات الإماراتية ولحكومة عبد الفتاح السيسي في مصر. وفي عام ٢٠١٨ حُكم عليه بالسجن عشر سنوات أمام محكمة سرية، ولا يزال محتجزًا بحسب التقرير.

تكتسب قضية منصور أهمية خاصة لأنها تكشف اتساع دائرة المستهدفين: فخطاب مكافحة الإخوان لا يفسّر وحده اعتقال مدافع مستقل عن حقوق الإنسان. ومن هنا تبدو حماية السلطة من النقد والمعارضة، أيًا كان مصدرهما، جزءًا أساسيًا من الصورة التي يرسمها التحقيق.

مصر وتونس: دعم الحكم على حساب المسار الديمقراطي

يرى تقرير «فيرسكوير» أن مصر كانت أول نجاح كبير في سياسة محمد بن زايد المناهضة للتحولات التي أعقبت انتفاضات المنطقة. فقد دعمت الإمارات ماليًا وسياسيًا انقلاب عبد الفتاح السيسي عام ٢٠١٣، الذي أطاح بالرئيس المنتخب محمد مرسي. وفي الأسابيع التالية، قتلت قوات السيسي ما لا يقل عن ١١٥٠ متظاهرًا من مؤيدي الرئيس المعزول، وفق الرقم الذي ينقله التقرير.

ولا يضع التقرير مبلغ ١١٤ مليار دولار في خانة التمويل الإماراتي المنفرد؛ بل يذكر أن الإمارات والسعودية والكويت مجتمعة قدمت أكثر من هذا المبلغ دعمًا لحكومة السيسي العسكرية على مدى السنوات التالية. وخلال الفترة نفسها، تصف منظمة العفو الدولية ما شهدته مصر بأنه هجوم شامل على المعارضة السلمية وتقويض لضمانات المحاكمة العادلة، فضلًا عن الانتهاكات داخل السجون.

في تونس، رحبت الإمارات بإجراءات الرئيس قيس سعيّد في عام ٢٠٢١، حين جمّد البرلمان، وأقال رئيس الوزراء هشام المشيشي، واستحوذ على صلاحيات تنفيذية واسعة. ويشير التقرير إلى حملات على وسائل التواصل انطلقت من السعودية والإمارات وصوّرت ما جرى بوصفه انتفاضة شعبية على الإخوان المسلمين. كما سافر مستشار بارز لمحمد بن زايد إلى تونس معلنًا تضامن أبوظبي مع سعيّد ومشيدًا ببرنامجه.

في الحالتين، يعرض التقرير نمطًا واحدًا: تفضيل سلطة تقمع خصومها السياسيين على مسار قد يتيح لهم المشاركة في الحكم، ثم تسويق ذلك الخيار باعتباره دفاعًا عن الاستقرار.

السودان: الكلفة البشرية للتحالف مع القوة المسلحة

يضع التقرير السودان في قلب نتائج هذه السياسة. فبعد سقوط عمر البشير عام ٢٠١٩، يقول إن الإمارات عملت على تعزيز موقع العسكريين وإضعاف فرص الحكم المدني، تحت عنوان الاستقرار. ومع اندلاع الحرب في أبريل ٢٠٢٣، برزت ميليشيا الدعم السريع، التي يشير التقرير إلى أدلة على تلقيها دعمًا إماراتيًا، رغم نفي أبوظبي ذلك.

وينقل التقرير عن مصادر من بينها فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان، ومنظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش أدلة تتعلق بهذا الدعم. كما يشير إلى اتهامات أممية لميليشيا الدعم السريع بارتكاب أعمال عنف واسعة النطاق خلال سيطرتها على الفاشر في ٢٠٢٥، حملت، بحسب الوصف الذي أورده، سمات الإبادة الجماعية.

لا يمكن اختزال حرب السودان في سبب واحد، لكن السؤال الذي يطرحه التحقيق محدد: كيف تواصل دولة تقديم نفسها شريكًا للأمن والاستقرار بينما تُتهم بمساندة قوة تقترن بها فظائع بهذا الحجم؟ هنا لا تعود آثار السياسة الإماراتية محصورة في التنافس بين الحكومات؛ بل تمتد إلى حياة المدنيين وإمكان قيام حكم مدني بعد الحرب.

من «مكافحة التطرف» إلى مخاطبة اليمين الغربي

بحسب الباحث جون هوفمان، الذي يستند إليه تقرير «فيرسكوير»، استفادت حكومات خليجية من الخطاب الديني لتحقيق أهداف سياسية بعد انتفاضات المنطقة. وفي الحالة الإماراتية، يعني ذلك تقديم أبوظبي بوصفها نموذجًا للاعتدال والاستقرار، وتصوير الإسلام السياسي، ثم أشكال أوسع من التنظيم السياسي للمسلمين، بوصفها مصدر الخطر الذي ينبغي للغرب أن يخشاه.

يلفت التقرير إلى خطاب لوزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد في عام ٢٠١٧ حذّر فيه من ظهور متطرفين وإرهابيين في أوروبا، رابطًا ذلك بتردد الأوروبيين في اتخاذ القرارات خشية الظهور بمظهر غير المتسامحين. ويقول إن شخصيات من اليمين المتطرف أعادت نشر هذا الخطاب على نطاق واسع.

وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج السياسة التي يرصدها التقرير: يستطيع اليمين المعادي للمسلمين أن يستخدم كلام مسؤول في دولة ذات أغلبية مسلمة لتدعيم روايته عن المسلمين في أوروبا. وفي المقابل، تجد أبوظبي لدى تلك القوى جمهورًا مستعدًا لتبنّي موقفها من الإخوان المسلمين، وربما من المشاركة السياسية للمسلمين عمومًا. ويشير الباحث فريد حافظ، كما ينقل عنه التقرير، إلى أن رفض ظهور معارضة سياسية من المسلمين يجعل الإمارات أقرب إلى تيارات أوروبية تسعى إلى إخضاع النشاط الإسلامي لأطر خاضعة للسيطرة.

هذا التقارب لا يعني أن كل الأطراف تتفق في كل شيء، ولا يثبت بحد ذاته وجود تمويل أو تنسيق في كل حالة. لكنه يوضح كيف يمكن لخطاب صيغ لحماية سلطة في أبوظبي أن يتحول إلى مادة في السياسة الداخلية لدول أخرى.

الطريق إلى بريطانيا

تكشف الوقائع التي جمعها تقرير «فيرسكوير» عن سلطة تقمع المطالبة بالإصلاح في الداخل، وتساند قوى وحكامًا متهمين بانتهاكات جسيمة في الخارج، ثم تطلب من العواصم الغربية أن تتعامل معها بوصفها شريكًا لا غنى عنه للاستقرار. بريطانيا هي الاختبار الأوضح لهذا التناقض: دولة تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتملك في الوقت نفسه علاقات استثمارية وأمنية وثيقة مع أبوظبي.

في الجزء القادم، ننتقل إلى لندن: كيف منحت الأموال والاستثمارات الإماراتية أبوظبي موقعًا مؤثرًا في بريطانيا؟ وماذا فعلت الحكومات البريطانية عندما اصطدمت المصالح الاقتصادية والأمنية بمطالب حقوق الإنسان، وبالضغط الإماراتي لحظر الإخوان المسلمين، وبالانتهاكات المنسوبة إلى حلفاء أبوظبي في السودان؟