في تطور خطير يعكس تعمّق أزمة الحرب السودانية وتشابكها مع الأجندات الإقليمية، أعلن الجيش السوداني انسحابه من أكبر حقل نفطي في البلاد، حقل هجليج في ولاية غرب كردفان، بعد هجوم واسع شنّته ميليشيا الدعم السريع التي تحظى بدعم خارجي، وعلى رأسه الإمارات وفق اتهامات متكررة من مسؤولين سودانيين.
الانسحاب الذي وصفه الجيش بأنه خطوة “لحماية البنية النفطية من الدمار”، جاء في لحظة حساسة، إذ يُعدُّ حقل هجليج شريانًا رئيسيًا للاقتصاد السوداني، وتعرضه للمعارك يهدد بانهيار ما تبقى من موارد الدولة الحيوية. ونقلت الجزيرة عن مصدر عسكري أن الجيش أبلغ المدنيين العاملين في الحقل بضرورة الإجلاء الفوري، كما فُعّلت إجراءات السلامة لمنع حرائق أو تسربات محتملة.
في المقابل، أفادت وكالة الصحافة الفرنسية بأن حقل هجليج هو الأكبر في السودان من حيث الإنتاج، وتديره شركات أجنبية كانت قد انسحبت خلال الأيام الماضية باتجاه جنوب السودان بعد تكثيف هجمات الطائرات المسيّرة التابعة للدعم السريع.

هجوم منسق للسيطرة على النفط
وبحسب مصادر عسكرية، فإن ميليشيا الدعم السريع هاجمت اللواء 90 داخل مدينة هجليج في محاولة واضحة لفرض سيطرتها على المنطقة النفطية الاستراتيجية. وتشير التقديرات إلى أن الهجمات ليست مجرد ضغط ميداني، بل جزء من مسعى أوسع للسيطرة على الموارد التي قد توفر للدعم السريع مصادر تمويل طويلة الأمد في حربها الممتدة منذ أكثر من عام ونصف.
وتتهم السلطات السودانية دولة الإمارات بدعم الميليشيا بالسلاح والتمويل، وهي اتهامات تصاعدت خلال الأشهر الأخيرة بالتزامن مع توسع الهجمات على المنشآت الحيوية ومعسكرات الجيش في كردفان ودارفور. ورغم نفي أبوظبي المتكرر، فإن آثار هذا الدعم باتت واضحة على خريطة السيطرة وعلى طبيعة الهجمات التي تتطور تقنيًا ولوجستيًا.
مكاسب في الجنوب.. وخسائر في الغرب
في الوقت الذي انسحب فيه الجيش من هجليج، أعلن تقدمه في مناطق أخرى جنوب البلاد، مؤكداً سيطرته على مواقع جديدة في ولايات كردفان الثلاث. هذه التحركات تكشف عن إعادة توزيع للقوات في محاولة لاحتواء ضغط الميليشيا في الغرب دون خسارة الجبهات الأخرى.
إلا أن الدعم السريع واصل عملياته في عمق المناطق السكانية، حيث أكد مصدر أمني مقتل 4 مواطنين في قصف استهدف مدينة الرهد بولاية شمال كردفان. كما شنّت الميليشيا هجوماً بطائرات مسيرة على مدينة الدمازين في ولاية النيل الأزرق، قبل أن يعلن الجيش التصدي للهجوم.
وفي المقابل، اتهمت ميليشيا الدعم السريع الجيش بقصف معبر أدري الحدودي مع تشاد، في محاولة لتحميله مسؤولية توتر الحدود الغربية.
حرب إعلامية واتهامات بالاغتصاب
بعيداً عن الميدان، تصاعدت الحرب النفسية والإعلامية بين الطرفين. فقد اتهمت ميليشيا الدعم السريع الحكومة السودانية بـ”جلب مواطنين” إلى مخيم العفاض في الولاية الشمالية “لأهداف سياسية”، معتبرة أن هناك “مؤامرة” تُحاك لتشويه صورتها عبر تقارير عن اغتصاب جماعي.
وذهبت الميليشيا إلى اتهام شبكة أطباء السودان بأنها “واجهة لدوائر أمنية”، بعدما أعلنت الأخيرة توثيق 19 حالة اغتصاب داخل المخيم، نُسبت لعناصر الدعم السريع خلال عملية نزوح نساء من مدينة الفاشر. وتُعد هذه الاتهامات جزءاً من مسار طويل من الجرائم والانتهاكات المنسوبة للميليشيا، والتي وثقتها منظمات دولية.
نزوح جماعي وانهيار الوضع الإنساني
إنسانياً، أعلنت منظمة الهجرة الدولية نزوح 450 شخصاً خلال يوم واحد فقط من مدينة كادوقلي بولاية جنوب كردفان، بسبب تدهور الأمن وتصاعد هجمات الميليشيا. وتخضع المدينة لحصار مزدوج من الدعم السريع وقوات عبد العزيز الحلو منذ الأشهر الأولى للحرب، ما جعلها واحدة من أكثر المناطق المعزولة والمنهكة إنسانياً.
ولا توجد إحصاءات دقيقة لسكان كادوقلي حالياً، لكن موجات النزوح المتتالية دفعت آلاف العائلات إلى الهرب نحو القرى المحيطة أو المناطق الجبلية. وتشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 41 ألف شخص فرّوا من ولايتي شمال وجنوب كردفان خلال الشهر الماضي وحده.
على مستوى السيطرة الجغرافية، تفرض ميليشيا الدعم السريع نفوذها على جميع ولايات دارفور الخمس باستثناء أجزاء شمالية من شمال دارفور التي لا تزال تحت سيطرة الجيش، بينما يسيطر الأخير على معظم الولايات المتبقية، بما فيها العاصمة الخرطوم.
قراءة في المشهد: حرب النفط تدخل مرحلة أخطر
يُظهر انسحاب الجيش من هجليج أن الحرب في السودان دخلت مرحلة جديدة تتجاوز الصراع السياسي والعسكري إلى حرب على الثروات، وفي مقدمتها النفط. فالميليشيا التي توسعت بدعم خارجي، خصوصاً من الإمارات وفق اتهامات رسمية، تسعى للحصول على موارد مالية تمكنها من إطالة أمد الحرب وفرض واقع سياسي جديد.
أما الجيش، فيحاول تجنب تدمير ما تبقى من البنية الاقتصادية، لكنه يخسر تباعاً مواقع استراتيجية كلما توسعت رقعة المعارك، ما يهدد بمزيد من الانهيار الاقتصادي والمعيشي في بلد يعاني أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
في ظل هذا المشهد، تبدو السودان متجهة إلى فصل أكثر تعقيداً، حيث تتداخل الجبهات العسكرية مع حرب موارد، وحرب معلومات، وحرب نفوذ خارجي تتصدرها الإمارات، وسط غياب أي أفق لوقف شامل لإطلاق النار أو تسوية سياسية قريبة.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يكشف انهيار المتعاونين معه في غزة.. عشرات يُسلمون أنفسهم للمقاومة