في مشهد يلخص فداحة الكارثة الإنسانية التي تضرب مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، استيقظ سكان حي “الدرجة الأولى” على فاجعة غير مسبوقة: عشرات المصلين الذين اجتمعوا لصلاة الفجر داخل مسجد الحي، قُتلوا بغارة بطائرة مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع، ليضطر الأهالي إلى دفنهم في باحة المسجد ذاته بعد أن تحولت المقابر العامة إلى أهداف عسكرية.
المأساة لم تقف عند حدود الدماء، بل تجاوزتها إلى انتهاك حرمة الموتى، في واقعة تهز الضمير الإنساني، وتعيد تسليط الضوء على دور داعمي الحرب وفي مقدمتهم الإمارات.

مجزرة داخل بيت الله
بحسب مصادر محلية، استهدفت الطائرة المسيّرة المسجد فجأة أثناء أداء المصلين لصلاة الفجر، ليتحول المكان إلى كتلة من الدمار والجثث. وزارة الصحة بشمال دارفور أعلنت مساء الجمعة أن حصيلة الضحايا بلغت 65 قتيلاً موثقًا، مع توقع ارتفاع العدد نظرًا لوجود جثث تحت الأنقاض وصعوبة التعرف على بعضها.
شهادة الناجي محمد آدم للجزيرة نت تكشف تفاصيل مأساوية: “كنا نقرأ سورة يس، وكان المسجد مظلمًا. أضاء أحد المصلين هاتفه للحظات، ثم سقطت القذيفة فوق رؤوسنا. النور الصغير كان كافيًا ليجلب الدمار”، مضيفًا أن لحظة التدبر تحولت في ثوانٍ إلى جحيم.
المسجد.. من محراب إلى مقبرة
لم يكن الدفن في المسجد خيارًا بل ضرورة، بعد أن منعت المسيّرات وصول الأهالي إلى المقابر العامة التي تحولت بدورها إلى أهداف عسكرية. أحد المتطوعين الذين شاركوا في الدفن الجماعي قال: “دفنّا الأب والابن والأخ معًا في قبر واحد. لم نعد نميز بين الجثث. فقط كنا نسارع بالدفن قبل أن تستهدفنا الطائرات. انتهكت حرمة حياتهم، ولم نستطع الحفاظ على حرمة موتهم”.
مديرة وزارة الصحة بشمال دارفور، خديجة موسى، أوضحت أن كثيرًا من الجثث لم يُتعرف إليها بعد، وبعضها ما زال تحت الأنقاض. وأكدت أن المشهد يعيد إلى الأذهان مجازر دارفور منذ عقود، لكن بأدوات أكثر فتكًا ودقة.
حصار ومجازر ممنهجة
المجزرة ليست حدثًا معزولًا، بل تأتي في سياق تصعيد عسكري متواصل تشهده الفاشر منذ أشهر، حيث تسعى قوات الدعم السريع لتوسيع نطاق سيطرتها في المدينة وسط مقاومة من الجيش السوداني والقوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح. ومنذ يونيو/حزيران 2024، تعيش المدينة حصارًا خانقًا حرم سكانها من الغذاء والدواء وحتى حرية دفن موتاهم بكرامة.
المراقبون يرون أن استهداف المسجد يدخل ضمن سياسة ممنهجة للضغط على الأحياء المقاومة عبر بث الرعب وكسر الروح المعنوية. وبذلك، لم يعد المسجد مجرد مكان استُهدف بالقصف، بل تحول إلى رمز لانتهاك الحرمات وتلاشي الحدود بين الحياة والموت.
الدور الإماراتي في تغذية الكارثة
وراء هذه الجرائم تقف منظومة دعم سياسي ومالي وعسكري، يأتي على رأسها النظام الإماراتي الذي وفر، وفق تقارير دولية، التمويل والسلاح لقوات الدعم السريع. أبوظبي متهمة بتزويد حميدتي ومليشياته بالمسيّرات والأسلحة التي حوّلت سماء دارفور إلى جحيم.
تقارير الأمم المتحدة سبق أن وثّقت وصول أسلحة إماراتية إلى مناطق النزاع في السودان عبر طرق ملتوية، في انتهاك صارخ لحظر السلاح. واليوم، تُستخدم هذه الترسانة في قصف مساجد ومنازل ومدارس، لتثبت أن الدعم الإماراتي لا يقتصر على المال بل يمتد إلى تغذية آلة القتل التي تحصد أرواح المدنيين.
الناشطون يرون أن بصمات أبوظبي حاضرة في كل مجزرة تقع في دارفور، معتبرين أن الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع يضعها شريكًا مباشرًا في هذه الجرائم، وأن صمت المجتمع الدولي على هذا الدور يشكل غطاءً لاستمرار المذابح.
حرمة منتهكة وذاكرة مثقلة
ما جرى في مسجد حي الدرجة الأولى يعد انتهاكًا مزدوجًا: أولًا باستهداف المصلين داخل بيت من بيوت الله، وثانيًا بتحويل المسجد إلى مقبرة جماعية. هذا التحول الصادم يترك أثرًا نفسيًا عميقًا على الناجين، الذين يرون جدران المسجد التي كانت تردد آيات القرآن وقد تحولت إلى شاهد على الدماء.
المشهد في الفاشر يجسد انهيار المنظومة الإنسانية، حيث لم يعد الموت يجد حرمة، ولا الجثث تجد مكانًا يليق بكرامتها. وهو انعكاس لحالة الحصار الشامل التي تعيشها المدينة، حيث تغيب الممرات الإنسانية، وتختفي أي مظاهر حماية للمدنيين.
أصوات تطالب بالمحاسبة
مع تصاعد أعداد الضحايا واستمرار المجازر، تتعالى أصوات تطالب بفتح تحقيقات دولية ومحاسبة قادة الدعم السريع وداعميهم الإقليميين، وفي مقدمتهم الإمارات. فاستهداف المصلين ودفنهم في المسجد لا يمكن أن يمر دون مساءلة، وإلا فإن تكرار الجرائم سيصبح قاعدة في ظل الصمت العالمي.
اليوم، يقف مسجد الفاشر شاهدًا على جريمة مضاعفة: قتل ودفن في آن واحد. جريمة تحكي عن مدينة محاصرة، عن بشر محرومين من الحياة والكرامة، وعن دور خارجي يمد المعتدين بأدوات القتل. إنها مأساة سودانية بنكهة إماراتية، ومجزرة تضع وصمة عار على جبين من ساهم في وقوعها.
✦ بهذا، لا يصبح السؤال عن عدد الضحايا فقط، بل عن المدى الذي سيبلغه الإفلات من العقاب، وعن قدرة المجتمع الدولي على كبح داعمي الحرب، الذين جعلوا من دارفور ساحة مفتوحة للموت والدمار.
اقرأ أيضًا : تحليق مُسيّرات فوق أسطول الصمود.. هل يُمهّد الاحتلال لاستهدافه؟