كشف تقرير فرنسي عن تورط دولة الإمارات العربية المتحدة في الحرب الدائرة في السودان، متهمًا إياها بدعم مليشيات قوات الدعم السريع (RSF) بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، مما يفاقم معاناة الشعب السوداني ويهدد وحدة واستقرار البلاد. التقرير الذي نشرته وكالة فرانس برس يسلط الضوء على المخططات الإماراتية التي تتجاوز مجرد المصالح الاقتصادية، لتشمل محاولات سياسية وعسكرية لإعادة تشكيل المشهد السوداني بما يخدم نفوذ أبو ظبي في المنطقة، ولو على حساب تمزيق السودان وتفكيكه لصالح مشاريع الهيمنة الإقليمية.
وتحدث التقرير عن الأسباب التي تجعل السودان مهمة للإمارات، حيث تتمتع البلاد بثروات طبيعية هائلة تجعلها هدفًا رئيسيًا لأبو ظبي، التي تسعى لتعزيز نفوذها في المنطقة عبر استغلال النزاعات الداخلية والتحالف مع المليشيات العسكرية. السودان، بثرواته من الذهب، والأراضي الزراعية الواسعة، وموقعه الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر، يشكل نقطة محورية في أجندة الإمارات الاقتصادية والسياسية. ويشير التقرير إلى أن الإمارات، التي تعاني من شح الموارد الطبيعية، تعتمد على تهريب الذهب السوداني بشكل كبير، حيث تُعد أكبر مستورد له، مع تقديرات تفيد بأن أكثر من 66.5% من الذهب الأفريقي المهرب يذهب إليها. إضافةً إلى ذلك، ترى الإمارات في السودان فرصةً للاستثمار في الزراعة، حيث تسعى للاستحواذ على الأراضي الزراعية لضمان أمنها الغذائي، إلى جانب استخدام البلاد كقاعدة للتوسع في القارة الأفريقية وتعزيز نفوذها في القرن الأفريقي.
كما يسلط التقرير الضوء على البعد السياسي والاستراتيجي لهذا النفوذ، حيث تسعى الإمارات إلى موازنة النفوذ السعودي في السودان، خاصة بعد تصاعد الخلافات بين البلدين في السنوات الأخيرة. دعم الإمارات لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) يأتي في سياق تحجيم نفوذ الجيش السوداني، الذي يُنظر إليه على أنه أكثر ميلًا للتحالف مع الرياض. بالإضافة إلى ذلك، تسعى أبو ظبي إلى منع أي صعود للحركات الإسلامية أو الديمقراطية في السودان، حيث تدعم الأنظمة العسكرية والمليشيات كوسيلة للحفاظ على نفوذها وضمان عدم قيام حكومة ديمقراطية قد تعرقل مصالحها. التقرير يشير إلى أن الإمارات، من خلال دعمها لقوات الدعم السريع، لا تساهم فقط في إطالة أمد الصراع، بل تلعب دورًا رئيسيًا في تفكيك السودان واستنزاف ثرواته لصالح أجنداتها التوسعية.
الدور الإماراتي في الحرب السودانية
يتناول التقرير الاتهامات التي وجهتها الحكومة السودانية إلى الإمارات بالتورط في جرائم حرب وانتهاكات جسيمة من خلال دعم قوات الدعم السريع. فقد رفعت الخرطوم مؤخرًا دعوى أمام محكمة العدل الدولية تتهم فيها الإمارات بالمشاركة في جرائم إبادة جماعية عبر دعمها العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع، وهي مليشيا متورطة في ارتكاب مجازر مروعة وانتهاكات لحقوق الإنسان.
وتشير التقارير إلى أن الإمارات، رغم إنكارها المتكرر، قامت بإمداد قوات حميدتي بأسلحة متطورة وشحنات ذخيرة عبر تشاد، مما ساهم في تعزيز قدراتها العسكرية وإطالة أمد الحرب. وبحسب محللين سياسيين، فإن أبو ظبي ترى في السودان ساحة نفوذ حيوية، وتسعى لاستخدام قوات الدعم السريع كأداة لتنفيذ أجنداتها الاستراتيجية في القرن الأفريقي.
لماذا تستهدف الإمارات السودان؟
طرح التقرير تساؤلات حول دوافع الإمارات وراء تدخلها العميق في السودان، حيث يرى خبراء أن طموحات أبو ظبي لا تقتصر على الموارد الطبيعية فحسب، بل تشمل أيضًا الأبعاد الجيوسياسية. فالسودان يتمتع بموقع استراتيجي يربط بين أفريقيا والعالم العربي، كما أنه يجاور ليبيا، حيث تدعم الإمارات القوات الموالية لخليفة حفتر، بالإضافة إلى ساحله الممتد على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ويشير أندرياس كريج، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بجامعة كينغز كوليدج في لندن، إلى أن الإمارات تهدف إلى بسط نفوذها السياسي في السودان، مستخدمةً الشركات التابعة لها كغطاء لاستثمارات تهدف إلى تعزيز سيطرتها على المعادن والتجارة السودانية. أما الباحث السوداني حميد خلف الله، فيوضح أن الإمارات تعتمد على قوات غير نظامية، مثل الدعم السريع، لاستغلال الموارد السودانية بأساليب غير قانونية، بما في ذلك تهريب الذهب عبر قنوات سرية.
وفقًا للتقرير، فإن العلاقة بين الإمارات وقوات الدعم السريع تعود إلى فترة مشاركة السودان في التحالف العسكري الذي قادته السعودية والإمارات في اليمن عام 2015. حيث خدم حميدتي وقواته تحت قيادة الإمارات هناك، وهو ما عزز الروابط بينهم وجعل الإمارات ترى في قوات الدعم السريع شريكًا يمكن استخدامه في تنفيذ أجنداتها الإقليمية.
إلا أن العلاقات بين الرياض وأبو ظبي شهدت لاحقًا توترًا، مما دفع الإمارات إلى تعزيز دعمها لحميدتي كوسيلة لمواجهة النفوذ السعودي في السودان. ويقول المحلل السياسي فيدريكو دونيلي من جامعة ترييستي الإيطالية إن الإمارات لا تسعى فقط للسيطرة على الموارد السودانية، بل أيضًا لإضعاف أي نفوذ سعودي في البلاد، ومنع انتشار الحركات الإسلامية السياسية التي ترى فيها تهديدًا لسلطتها.
جرائم الدعم السريع وواشنطن تتهم الإمارات بالتورط
الحرب الدموية في السودان التي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد أكثر من 12 مليون شخص، شهدت اتهامات واسعة لقوات الدعم السريع بارتكاب جرائم حرب، من بينها التطهير العرقي، والاغتصاب الجماعي، والمذابح ضد جماعات عرقية معينة، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى اتهام قوات حميدتي بالإبادة الجماعية في يناير الماضي.
كما كشف تقرير لاثنين من أعضاء الكونغرس الأمريكي أن الإمارات لم تلتزم بتعهداتها بوقف تزويد قوات الدعم السريع بالمساعدات العسكرية، مما يشير إلى استمرار الدعم الإماراتي السري للمليشيات. ووفقًا لـأندرياس كريج، فإن أبو ظبي أصبحت “مرتبطة بشكل وثيق” بحميدتي، حيث يدير الأخير أعماله المالية من داخل الإمارات، مما يعزز من تبعيته لها.
وفي محاولة لردع الإمارات والتصدي لمحاولاتها الاستعمارية، رفع السودان قضية ضد الإمارات أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، متهمًا إياها بالمشاركة في جرائم إبادة جماعية عبر دعمها لقوات الدعم السريع. غير أن الإمارات سارعت إلى رفض هذه الاتهامات ووصفتها بأنها “مجرد دعاية سياسية” تهدف إلى تشويه صورتها دوليًا.
ورغم أن قرارات محكمة العدل الدولية ملزمة قانونيًا، إلا أن التقرير يشير إلى أن الإمارات تمتلك نفوذًا سياسيًا وماليًا واسعًا، قد يحميها من أي تداعيات قانونية خطيرة. ومع ذلك، فإن هذه القضية تساهم في تعزيز السمعة السلبية لأبو ظبي، التي تواجه تزايدًا في الانتقادات بسبب تدخلاتها في النزاعات الإقليمية، من ليبيا إلى اليمن، وأخيرًا السودان.
وفقًا للتقرير، فإن دور الإمارات في السودان ليس استثناءً، بل يأتي في إطار نمط متكرر من التدخلات الإماراتية في أفريقيا. فمن تهريب الذهب في السودان، إلى دعم ميليشيات في ليبيا، إلى تسليح أطراف متصارعة في الصومال، تسعى أبو ظبي إلى فرض نفوذها بالقوة، على حساب استقرار الدول الأفريقية.
وبينما تحاول الإمارات تقديم نفسها كدولة داعمة للتنمية والسلام، يكشف هذا التقرير الفرنسي عن الوجه الآخر لسياستها: دعم الميليشيات، تأجيج الحروب الأهلية، وتقويض استقرار الدول لصالح أجندتها التوسعية. فهل ستتمكن الدول المتضررة من مواجهة هذا النفوذ المتصاعد، أم أن الإمارات ستواصل استغلال الفوضى لتحقيق مكاسبها الجيوسياسية؟