في خطوة تكشف تناقض الخطاب الإماراتي بين «الحياد» المزعوم وواقع التحالف مع الاحتلال الإسرائيلي، تراجعت أبوظبي عن موافقتها السابقة على المشاركة في قوة أمنية متعددة الجنسيات لنشرها في قطاع غزة بعد وقف إطلاق النار. هذا التراجع، الذي نقلته مصادر غربية وإقليمية، لم يكن بدافع سياسي مبدئي أو إنساني، بل خوفًا من أن يُنظر إلى القوات الإماراتية كأداة في حرب إسرائيلية قذرة، أو أن تتعرض لهجمات داخل غزة التي ما زالت تحتفظ بجراحها المفتوحة.
فبعد شهور من التسريبات حول نية واشنطن تشكيل قوة عربية «لحفظ الأمن» في القطاع، برزت الإمارات كمرشح رئيسي للمشاركة، بدعم إسرائيلي واضح، لكن المفارقة أن أبوظبي التي دعمت القصف سياسيًا وماليًا، تخشى الآن أن تدفع ثمن الواجهة العسكرية في ساحة لا ترحم.

المناورة الدبلوماسية: من الحماس للمشاركة إلى الانسحاب الصامت
كانت البداية عندما نقلت تقارير غربية أن إدارة بايدن أجرت اتصالات مع دول عربية عدة لتشكيل قوة أمنية متعددة الجنسيات في غزة تتولى إدارة الأمن بعد الحرب، في إطار ما سُمّي بـ«اليوم التالي لغزة». وأبدت الإمارات حينها استعدادًا مبدئيًا للمشاركة، مستندة إلى خبرتها في نشر قواتها ضمن تحالفات دولية في اليمن وليبيا.
لكن مع مرور الوقت، ومع تصاعد الانتقادات الإقليمية التي وصفت المشروع بأنه «احتلال جديد بوجوه عربية»، بدأت أبوظبي تتراجع خطوة بعد أخرى. فالمخاوف من أن تظهر بمظهر الوكيل العسكري لإسرائيل، في ظل سجلها المثقل في التطبيع والدعم اللوجستي لعملياتها، جعلتها تُعيد حساباتها.
مصادر دبلوماسية أشارت إلى أن أبوظبي أبلغت واشنطن أنها لن تشارك في أي قوة «قبل وجود توافق فلسطيني داخلي وغطاء دولي واضح»، وهي عبارة فضفاضة تُستخدم عادة لتبرير الانسحاب التكتيكي من التزامات محرجة. وفي الواقع، فإن الإمارات تدرك أن أي وجود عسكري لها في غزة سيُعتبر من قبل الفلسطينيين والأطراف الإقليمية مشاركة في احتلال جديد تحت غطاء «الأمن والاستقرار».
الخوف على الصورة لا على المبادئ
المخاوف الإماراتية لم تكن أمنية بقدر ما هي سياسية وإعلامية. فالإمارات التي أنفقت مليارات الدولارات على تحسين صورتها في الغرب عبر الدعاية والترويج الثقافي، لا تريد أن تُربط اسمها بعمليات قمع في غزة بعد أن ارتبط بالفعل بانتهاكات في اليمن والسودان وليبيا.
تسعى أبوظبي لأن تظل «الوسيط الهادئ» القادر على التحدث مع واشنطن وتل أبيب والعواصم العربية، لا الطرف الذي يتورط عسكريًا في نزاع دموي ضد شعب تحت الاحتلال. لذلك، فضّلت الانسحاب لتجنّب الحرج أمام الرأي العام العربي، خصوصًا بعد أن أصبحت مشاهد المجازر الإسرائيلية تُبث يوميًا، ما جعل أي شراكة معها انتحارًا سياسيًا وإعلاميًا.
ومع أن الإمارات تحاول الترويج لنفسها كقوة «معتدلة» تسعى إلى السلام، فإن سجلها الميداني يفضحها: دعمٌ للجنرالات في السودان، تمويلٌ لمرتزقة في اليمن وليبيا، ومشاركةٌ استخباراتية مع إسرائيل في تتبع فصائل المقاومة. لذا، فخوفها من المشاركة في قوة غزة ليس رفضًا للهيمنة الإسرائيلية، بل هروب من أن تُفضَح علنًا بوصفها اليد العربية التي تقاتل عن تل أبيب.
الاحتلال بوجوه عربية: مشروع أمريكي بتمويل خليجي
فكرة القوة متعددة الجنسيات لم تكن جديدة، بل تُعيد إلى الأذهان مشاريع أمريكية سابقة لتشكيل «تحالفات عربية» تخدم الأمن الإسرائيلي تحت مسميات مختلفة: مكافحة الإرهاب، حماية الملاحة، أو استقرار المنطقة. الجديد اليوم هو إدخال غزة في هذا الإطار.
الولايات المتحدة كانت تريد قوة عربية -غالبها من الإمارات والسعودية ومصر والمغرب- لتتولى ضبط الأمن في القطاع بعد انسحاب جزئي إسرائيلي، بما يجنّب تل أبيب تكلفة الاحتلال المباشر. بمعنى آخر، كانت الخطة تهدف إلى «خصخصة الاحتلال» عربيًا.
لكن التردد الإماراتي الأخير أربك الخطة الأمريكية، خاصة أن واشنطن كانت تعتبر أبوظبي رأس الحربة في تنفيذ مشاريع «اليوم التالي»، نظرًا لعلاقاتها الوثيقة بالموساد والجيش الإسرائيلي منذ اتفاقات أبراهام عام 2020. غير أن الخشية من تحمّل المسؤولية الميدانية والاتهامات الشعبية جعلت أبوظبي تكتفي بدور «الممول والمخطط»، لا «المقاتل».
صورة الإمارات بين الشريك والوكيل
يصف محللون سياسيون هذا التراجع بأنه محاولة من الإمارات لإنقاذ ما تبقى من صورتها الإقليمية. فبعد اتهامها بالتورط في تسليح قوات الدعم السريع في السودان ودعم حفتر في ليبيا وتمويل الانقلابات في تونس ومصر، لم تعد أبوظبي قادرة على تحمل موجة جديدة من الغضب الشعبي.
لكن من زاوية أخرى، فإن هذا التراجع لا يعني خروجها من المشهد، بل انتقالها إلى أدوار أكثر خفاءً: تدريب قوات أمنية فلسطينية موالية للسلطة، وتمويل مشاريع إعادة إعمار تحت إشراف أمريكي، وتقديم غطاء سياسي لإسرائيل في المحافل الدولية عبر خطاب «السلام والاستقرار».
أي أن الإمارات تحاول أن تبقى «الوكيل الذكي» الذي يدير ملفات المنطقة من وراء الستار، لا المقاتل الذي يواجه الكاميرات في أرض المعركة.
خاتمة: وكيل خائف من المرآة
في النهاية، تراجع الإمارات عن المشاركة في قوة أمنية بغزة لا يعني تحوّلًا في سياستها، بل هو خوف من أن ترى صورتها الحقيقية في مرآة الاحتلال الذي تخدمه. لقد بنت أبوظبي لنفسها دور «الوسيط»، لكنها في الواقع أحد أهم ركائز المشروع الإسرائيلي لتطبيع الاحتلال وتجميله عربيًا.
ومع كل خطوة تتراجع فيها عن الانخراط العلني، تتقدم خطوات في دعم تل أبيب سرًا — عبر التمويل، والتنسيق الأمني، والمساندة السياسية.
فالإمارات، ببساطة، لا تخشى الحرب من أجل إسرائيل، بل تخشى أن يكتشف العالم أنها تخوضها أصلًا.
اقرأ أيضًا : الإمارات.. مجرمة حرب تقف خلف طائرات ميليشيا قصفت الأطفال في دارفور