لم يكن صباح الأحد عادياً في غزة، فقد أضاف الاحتلال الإسرائيلي إلى سجله الدموي جريمة اغتيال جديدة باغتيال مؤمن فرحات، الابن الخامس للرمز الفلسطيني مريم محيسن المعروفة بـ”أم نضال فرحات”، مع زوجته وأطفاله.
المشهد المأساوي لم يكن مجرد عملية اغتيال لشخص، بل حلقة جديدة في سلسلة من الاستهداف الممنهج لعائلة قدمت أبناءها واحداً تلو الآخر في سبيل المقاومة، حتى تحولت إلى أيقونة للتضحية الفلسطينية.
أم نضال: الأم التي أنجبت رموز المقاومة
اشتهرت مريم فرحات، أو “خنساء فلسطين”، منذ الانتفاضة الثانية مطلع الألفية، عندما قدمت أبناءها الثلاثة: نضال، محمد، ورواد شهداء بين عامي 2002 و2005. من بين هؤلاء، نفذ محمد عملية استشهادية ضد الاحتلال بتشجيع مباشر من والدته، التي ظهرت في تسجيل مصور تودعه بابتسامة وفخر. صورة الأم التي تفتح باب بيتها لابنها وهو يخرج إلى “عرس الشهادة” هزّت العالم، ورسخت مكانتها كرمز للمقاومة و”مدرسة تربية” للأجيال الفلسطينية.
لاحقاً، انتُخبت أم نضال عضواً في المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006، لتجمع بين دورها الشعبي والرسمي، وتوفيت عام 2013 بعد صراع مع المرض. لكن إرثها ظل حياً في وجدان الفلسطينيين، والاحتلال ظل يطارد أبناءها حتى بعد رحيلها.
مؤمن فرحات.. ضحية جديدة لآلة الاغتيالات
اغتيال مؤمن فرحات لم يكن حادثاً معزولاً، بل استمراراً لسياسة الاحتلال في ملاحقة الرموز وعائلاتهم، في محاولة لكسر إرادة المقاومة. العملية أسفرت أيضاً عن استشهاد زوجته وأطفاله، في مشهد يعكس بوضوح الطابع الإبادي للعدوان على غزة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. هذا الاستهداف يندرج في إطار استراتيجية الاحتلال التي لا تميز بين مقاوم ومدني، رجل أو امرأة أو طفل، بل تدمج جميع الفلسطينيين في دائرة “العقاب الجماعي”.
الاغتيال يعكس كذلك رغبة الاحتلال في توجيه رسالة ردع للمجتمع الغزي، بأن كل من ينتمي إلى تاريخ المقاومة أو يحمل إرثها هو هدف مشروع. لكن مثل هذه الجرائم، في الذاكرة الفلسطينية، كثيراً ما تتحول إلى وقود إضافي لصمود الناس وإصرارهم على التمسك بحقهم في مقاومة الاحتلال.
التضحيات الفلسطينية.. تاريخ متجدد
قصة “أم نضال” وعائلتها تعكس الوجه الأعمق للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث تتحول الأسر إلى أيقونات، وتصبح الأم مدرسة للتربية على الصمود والتضحية. عشرات العائلات الفلسطينية قدمت أبناءها شهداء على امتداد العقود الماضية، غير أن حالة آل فرحات تظل نموذجاً استثنائياً، إذ فقدت العائلة خمسة من أبنائها على مذبح الحرية.
هذا النموذج يطرح سؤالاً محورياً: هل يمكن لآلة الحرب أن تكسر إرادة شعب يرى في التضحية طريقاً للكرامة والحرية؟ التجارب التاريخية، من جنوب إفريقيا إلى الجزائر، تؤكد أن الدماء غالباً ما تكون وقوداً لانتصار الشعوب في معاركها ضد الاستعمار والاضطهاد.
الإبادة الجماعية في غزة.. أرقام تتحدث
في السياق الأوسع، تأتي جريمة اغتيال مؤمن فرحات ضمن حملة إبادة جماعية تشنها “إسرائيل” على قطاع غزة بدعم أمريكي وغربي واضح. فالأرقام تكشف حجم الكارثة: أكثر من 64 ألف شهيد، وما يزيد على 162 ألف جريح، إلى جانب 9 آلاف مفقود تحت الأنقاض، ومئات آلاف النازحين الذين يعيشون في ظروف أشبه بالمجاعة. وقد أودت سياسات التجويع وحدها بحياة 387 فلسطينياً بينهم 138 طفلاً، في مشهد يرقى إلى جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية وفق القوانين الدولية.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تعكس سياسة متكاملة هدفها سحق الحياة في غزة وتدمير البنية المجتمعية، بما فيها العائلات الرمزية مثل آل فرحات. لكن المأساة تحوّلت في الوقت ذاته إلى وقود لحملات تضامن عالمية تتصاعد يوماً بعد يوم، خاصة مع صدور أوامر من محكمة العدل الدولية بوقف الإبادة، والتي يواصل الاحتلال تجاهلها.
الرمزية بين التضحيات والاستمرارية
اغتيال مؤمن يعيد إلى الواجهة صورة والدته الراحلة، التي لقبت بـ”خنساء فلسطين” على غرار “الخنساء” في صدر الإسلام، التي قدمت أبناءها في معركة القادسية. هذا التشبيه ليس عابراً، بل يعكس كيف تستحضر المخيلة الفلسطينية الرموز التاريخية والدينية لتفسير الواقع وصياغة خطاب الصمود. إن عائلة أم نضال، بما قدمته من تضحيات، صارت رمزاً للاستمرارية، حيث لا تنطفئ جذوة المقاومة باستشهاد فرد أو أكثر، بل تتوارثها الأجيال.
خاتمة: الدم الذي يصنع الذاكرة
إن اغتيال مؤمن فرحات وزوجته وأطفاله، بعد إخوته الأربعة الذين سبقوه إلى الشهادة، ليس نهاية لقصة عائلة فلسطينية فحسب، بل فصل جديد في حكاية طويلة من التضحية التي تكتبها غزة كل يوم. لقد فشل الاحتلال على مدار عقود في كسر إرادة هذه الأرض، لأن دماء الشهداء تتحول إلى ذاكرة جمعية تنسج خيوط الصمود جيلاً بعد جيل.
وفي حين يظن الاحتلال أن إخماد الرموز يفتح الطريق أمام الاستسلام، يثبت الواقع أن كل شهيد يولّد وعياً جديداً، وأن قصص مثل “أم نضال” وأسرتها تتحول إلى منارات يهتدي بها الفلسطينيون في مسيرتهم الطويلة نحو الحرية. هذه الدماء ليست مجرد أرقام، بل صرخة في وجه العالم الذي يواصل صمته: أن غزة لم تُكسر، وأن أمهات الشهداء ما زلن ينجبن رموزاً للتاريخ.
اقرأ أيضًا : قصف وتوغل ومجازر متواصلة في غزة.. جرائم حرب في القطاع