في لحظة مأساوية تهز الضمير الإنساني، دعا الاتحاد الأفريقي الأطراف المتحاربة في السودان إلى وقف فوري لإطلاق النار، بعد الكارثة الطبيعية التي ضربت قرية ترسين في جبال مرة بدارفور وأودت بحياة أكثر من ألف شخص، إضافة إلى مئات الجرحى والمفقودين. 

هذه المأساة، الناتجة عن انزلاق أرضي هائل سببه الأمطار الغزيرة، جاءت لتكشف مدى هشاشة الوضع الإنساني في الإقليم الغارق أصلاً في أتون حرب مدمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. 

ورغم هذه الدعوات الإنسانية، لا تزال بعض الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها الإمارات، تؤجج ألسنة الحرب بإمداداتها العسكرية والمالية لقوات الدعم السريع، ما يجعل المأساة مضاعفة بين كوارث الطبيعة وجرائم السياسة.

مأساة طبيعية تضيف إلى جراح الحرب

أفادت وكالة الأنباء السودانية (سونا) أن قرية “ترسين” الجبلية في وسط جبال مرة اختفت بالكامل تحت الأرض بفعل انزلاقات أرضية ضخمة، تاركة خلفها آلاف الأسر المفجوعة. جبال مرة، ذات الطبيعة البركانية الوعرة والممتدة على طول 160 كيلومتراً جنوب غرب الفاشر، لطالما كانت مأوىً للنازحين الفارين من جحيم المعارك في دارفور. لكن هذه المرة، تحولت الجبال إلى مقبرة جماعية دفنت تحتها بشراً وحجراً، لتصبح شاهداً جديداً على مأساة الإقليم الذي لم يعرف السلام منذ عقود.

الانهيار الأرضي لم يكن مجرد حادث طبيعي، بل كشف بوضوح هشاشة البنية التحتية الإنسانية في دارفور، حيث تغيب فرق الإنقاذ، وتندر المعدات الثقيلة، وتبقى الاستجابة الطارئة مرهونة بقدرة الأهالي والمنظمات الطوعية على مواجهة كارثة تتجاوز طاقتهم. وهنا جاء بيان الاتحاد الأفريقي ليحذر من أن استمرار الحرب يمنع وصول المساعدات إلى المناطق المنكوبة، داعياً إلى “إسكات السلاح” من أجل إغاثة العالقين تحت الركام.

الاتحاد الأفريقي بين النداء الأخلاقي والواقع السياسي

رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي أكد في بيانه التضامن مع المتضررين، ودعا “جميع أصحاب المصلحة السودانيين” إلى التوحد لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية العاجلة. غير أن هذا النداء الأخلاقي يصطدم بجدار الواقع السياسي والعسكري، حيث لا تزال العاصمة الإقليمية الفاشر مسرحاً لمعارك ضارية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أكثر من عام. هذا الصراع أدى حتى الآن، وفق تقديرات الأمم المتحدة، إلى مقتل أكثر من 20 ألف شخص ونزوح نحو 15 مليون آخرين، بينما ذهبت أبحاث أكاديمية أميركية إلى أن العدد الحقيقي للضحايا قد يقترب من 130 ألفاً.

وجود حركات مسلحة قديمة مثل حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور في مناطق وسط دارفور يزيد من تعقيد المشهد، إذ تداخلت خطوط السيطرة بين قوات الدعم السريع، الجيش السوداني، والحركات المتمردة، الأمر الذي يجعل وصول الإغاثة أمراً بالغ الصعوبة ما لم يتم فرض وقف إطلاق نار شامل.

الإمارات.. الوقود الإقليمي للحرب

رغم هذه المأساة الإنسانية، تشير تقارير دولية وإعلامية متطابقة إلى أن الإمارات تواصل تقديم الدعم المالي والعسكري لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). هذا الدعم لا يقتصر على الأموال، بل يمتد إلى شحنات سلاح وذخيرة يتم تهريبها عبر دول الجوار مثل تشاد وليبيا، مما يعزز قدرة الدعم السريع على مواصلة حرب استنزاف طويلة ضد الجيش السوداني. وهكذا، بينما يرفع الاتحاد الأفريقي شعار “إسكات السلاح”، تضيف أبوظبي الزيت إلى نار الحرب، في مفارقة مأساوية تفضح تناقض السياسات الإقليمية.

الإمارات التي تسوّق لنفسها كدولة راعية للاستقرار والتنمية في المنطقة، تجد نفسها متهمة اليوم بتأجيج واحدة من أعنف الحروب في القارة، حرب لا تحصد سوى المدنيين والنازحين والقرى الفقيرة التي لم تجد فرصة للحياة. وفي ظل كارثة طبيعية بهذا الحجم، يصبح استمرار هذا الدعم دليلاً على أن الحسابات الجيوسياسية لبعض العواصم أقوى من أي اعتبارات إنسانية.

مفترق طرق: بين إنقاذ الأرواح واستمرار الحرب

المأساة التي عاشتها قرية ترسين ليست مجرد حدث عرضي، بل هي ناقوس خطر يذكّر العالم أن الكوارث الطبيعية في بيئة منهكة بالصراع تتحول إلى مجازر صامتة. الاتحاد الأفريقي يدرك أن نجاح أي عملية إنقاذ مرتبط قبل كل شيء بوقف إطلاق النار، إذ لا يمكن لفرق الإنقاذ أو المنظمات الإنسانية أن تعمل في منطقة تتحول كل يوم إلى ساحة معركة.

لكن السؤال الأعمق يبقى: هل تملك الأطراف السودانية الإرادة السياسية لوقف القتال ولو مؤقتاً من أجل دفن ضحايا الكارثة وانتشال الجرحى؟ أم أن منطق السلاح والدعم الخارجي، خاصة من الإمارات، سيبقى أقوى من نداءات الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي؟

خاتمة: دارفور بين مطرقة الطبيعة وسندان السياسة

الكارثة التي طالت قرية ترسين تعكس معاناة دارفور التاريخية: إقليم يعيش بين فكي كماشة، كوارث طبيعية تدمر الأرض وما عليها، وحرب أهلية مدعومة من أطراف خارجية تزيد من معاناة السكان. الاتحاد الأفريقي، بدعوته إلى “إسكات السلاح”، يقدم حلاً إنسانياً عاجلاً، لكنه لن يجد طريقه إلى التنفيذ ما دامت قوى إقليمية مثل الإمارات تغذي الصراع بدلاً من أن تدعم السلام. وبينما يدفن السودانيون موتاهم تحت تراب دارفور، يظل السؤال مطروحاً: هل من أفق لإنقاذ هذا الإقليم المنكوب، أم أن صرخات الضحايا ستظل تضيع في صدى المدافع والطائرات المسيّرة؟

اقرأ أيضًا : الإمارات دمّرت السودان.. فاجعة انزلاق أرضي تحصد أكثر من ألف روح في دارفور