لا تحتاج الجرائم إلى رصاص فقط كي تُرتكب، يكفي أن تُبرم في غرف مغلقة بين مسؤولين أنيقين يوقّعون أوراقًا مصقولة بالأكاذيب. والاتحاد الأوروبي، الذي يتفاخر بمبادئ حقوق الإنسان ويدعي احترامها، يخطّ في هذه الأيام فصلًا جديدًا من التواطؤ مع الاحتلال الإسرائيلي، متجاوزًا كل الخطوط الحمراء التي رسمها القانون الدولي.
تقرير صادر عن منظمة Global Witness، نُشر حصريًا في صحيفة The Guardian، يُظهر أن الاتحاد الأوروبي، من خلال صفقة غاز وُقّعت في عام 2022 مع إسرائيل ومصر، قد يكون متورطًا بشكل مباشر في انتهاك القانون الدولي، بل ومتواطئًا في جرائم الاحتلال المستمرة ضد الشعب الفلسطيني. الصفقة التي وُقّعت بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، جاءت تحت ذريعة “تأمين بدائل للطاقة الروسية”، لكنها فعليًا فتحت الباب واسعًا أمام تمويل آلة الاحتلال الإسرائيلي، ووفّرت له غطاءً دبلوماسيًا لنهب موارد الفلسطينيين البحرية.
الحديث يدور حول خط أنابيب الغاز “EMG”، الذي يمتد من مدينة عسقلان إلى مدينة العريش المصرية، بمحاذاة ساحل غزة، أي أنه يمر عبر المياه الإقليمية الفلسطينية، دون أي استشارة أو موافقة من الفلسطينيين. إسرائيل أنشأت الخط وأدارته بشكل أحادي، ضاربة بعرض الحائط حق الفلسطينيين في السيادة، والتنظيم، وتحصيل العائدات، بل وحتى المشاركة في القرار. ما يجري هنا ليس مجرد سرقة، بل اعتداء موثّق على الموارد الطبيعية لشعب محاصر، تُنهب ثرواته من تحت البحر بينما يُجوَّع فوق الأرض.
المحامية الحقوقية زهراء حسن، التي شاركت في إعداد الرأي القانوني المرفق مع التقرير، وصفت ما جرى بأنه “انتهاك صارخ للسيادة الفلسطينية”، مؤكدة أن إسرائيل تصرفت بشكل أحادي دون تفويض من أي جهة فلسطينية، وأن الاتحاد الأوروبي، بتوقيعه مذكرة التفاهم واستمراره في تنفيذها، يُرجّح أنه انتهك القانون الدولي العرفي، بل وقانون الاتحاد الأوروبي نفسه.
هذا الرأي القانوني لا يقف وحيدًا؛ البروفسور غلايدر هيرنانديز، أستاذ القانون الدولي في جامعة لوفين، قال بوضوح إن “بناء خط الأنابيب في المنطقة المعنية يُرجّح أن يكون عملًا غير مشروع، وإذا كان كذلك، فإن استمرار الاتحاد الأوروبي في الاتفاق مع إسرائيل قد يجعله هو الآخر منتهكًا للقانون الدولي”، مضيفًا أن قرار محكمة العدل الدولية الصادر في يوليو 2024، الذي دعا إسرائيل إلى إنهاء احتلالها، يُحمّل أيضًا الدول الأخرى مسؤولية عدم التعاون أو الاعتراف بالوضع غير القانوني.
وفي الوقت الذي يواجه فيه الاتحاد الأوروبي دعوات متزايدة لتعليق اتفاقية الشراكة التجارية مع إسرائيل بسبب جرائمها في غزة والضفة الغربية، يمرّ ملف الغاز بصمت رسمي لا يليق بحجم الفضيحة. مذكرة التفاهم، بحسب تقارير Global Witness، جُدّدت تلقائيًا في يونيو الماضي دون مراجعة أو مساءلة، رغم أن التوقيت تزامن مع قصف متواصل على غزة، راح ضحيته أكثر من 57 ألف إنسان، معظمهم من المدنيين، وتدمير كامل للبنية التحتية في القطاع المحاصر.
المفوضية الأوروبية رفضت الرد على أسئلة متعددة حول ما إذا كانت صفقة الغاز لا تزال سارية. الصمت نفسه عبّر عنه مكتب إسرائيل في بروكسل، ووزارة الخارجية الإسرائيلية، وممثلية فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي.
لكن الأصوات الحقوقية بدأت ترتفع. النائب الأوروبي الأيرلندي باري أندروز، رئيس لجنة التنمية في البرلمان الأوروبي، قال بوضوح: “بسبب الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني، والتحذيرات القانونية الصادرة عن محكمة العدل الدولية، واستمرار المجازر في غزة، فإن استمرار الاتحاد الأوروبي في تنفيذ صفقة الغاز يُعرّضه لانتهاك التزاماته القانونية الدولية”. وطالب بمراجعة فورية للمذكرة تمهيدًا لتعليقها، مؤكدًا أن ما يجري يُناقض كل ما يدّعيه الاتحاد من التزام بالقانون وحقوق الإنسان.
سارة بيرمان بيكر، كبيرة المحققين في منظمة Global Witness، اختزلت المأساة بكلمات صادمة: “منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، تحاول أوروبا أن تُظهر نفسها كمدافع عن حقوق الإنسان، لكن استمرارها في التعامل التجاري مع إسرائيل يكشف عن ازدواجية أخلاقية مشينة”. وأضافت: “الاتحاد الأوروبي يطارد صفقات الغاز حتى ولو كانت تُسحق فوقها حقوق الفلسطينيين، بل ويسهم فعليًا في تمويل الإبادة الجارية في غزة”.
بيانات المنظمة تُظهر أن بين عامي 2020 و2024، صُدّر ما يقرب من 9 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال من مصر إلى أوروبا، وكانت دول مثل إسبانيا وإيطاليا وفرنسا من بين أكبر المشترين، في صفقات قُدّرت قيمتها بـ9 مليارات دولار. ومع أن الجزيئات الغازية لا تحمل علامات منشأ، فإن البنية التحتية والمسارات التشغيلية تُثبت أن معظم الغاز الإسرائيلي يمر عبر خط EMG، وهو الأسرع والأكبر قدرة.
الوقائع تُظهر أيضًا أن تدفقات الغاز لم تتوقف حتى خلال ذروة المجازر. إسرائيل أوقفت تشغيل حقلين للغاز لفترة قصيرة عند بدء ضرباتها ضد إيران، لكنها سرعان ما أعادت تشغيلهما، في مشهد يُلخص كيف أن الدم الفلسطيني لا يوقف الأعمال، بل يُدار تحت صواريخ القصف وصفارات الإنذار.
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، كانت قد عبّرت في 2022 عن “امتنانها لإسرائيل” لتوسيع صادرات الغاز إلى أوروبا، ووصفت الاتفاق بأنه “خطوة تاريخية”. وزير الطاقة الإسرائيلي حينها وصفه بأنه “نقطة تحوّل” تجعل من إسرائيل “قوة عظمى في مجال الطاقة”.
لكن الحقيقة أن هذه “القوة العظمى” بُنيت على أنقاض قرى فلسطينية، وعلى حساب أطفال يُدفنون تحت الركام. وما يفعله الاتحاد الأوروبي اليوم لا يندرج ضمن خانة الحياد أو المصالح الاقتصادية، بل هو مشاركة فعلية في الجريمة، وتأييد سياسي مدفوع بالغاز والصفقات، لا بالمبادئ والقيم.
الاتحاد الأوروبي، الذي يطالب روسيا بالانسحاب من أوكرانيا، يواصل تمويل الاحتلال الإسرائيلي واستيراد الغاز من منطقة مسروقة ومحاصرة. القانون الدولي، الذي يُفترض أن يكون مرجعيته، يتحول إلى أداة انتقائية تُستخدم ضد الأعداء وتُغضّ الطرف عن الحلفاء. وبهذا، يثبت الاتحاد الأوروبي مرة أخرى أنه حين يتعلق الأمر بإسرائيل، فإن حقوق الإنسان تُدفن في أعماق البحر قرب خط أنابيب الغاز.