في خطوة تكشف عمق المأزق الاستراتيجي الذي يواجه الاحتلال الإسرائيلي في البحر الأحمر والجزيرة العربية، كشفت صحيفة “والا” العبرية أن جهاز “الموساد” وضع بنك أهداف لقيادات جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، في محاولة لاغتيال أبرز رموزها العسكرية والسياسية.
غير أن هذه الخطة اصطدمت مبكرًا بفشل عملياتي مدوٍّ، بعد أن عجزت تل أبيب عن اغتيال رئيس أركان الجماعة محمد عبد الكريم الغماري خلال عملية معقدة، الأمر الذي مثّل ضربة لهيبة الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية.

بنك أهداف حوثي: إعلان تصعيد من طرف واحد
قرار إسرائيل بالانتقال إلى استهداف “مراكز الثقل” لدى الحوثيين يعكس إقرارًا صريحًا بخطورة التهديد القادم من اليمن، بعد أشهر من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي وصلت إلى عمق الأراضي المحتلة.
الصحيفة العبرية أوضحت أن تل أبيب لم تعد قادرة على التغاضي عن الضربات التي تشل الملاحة في البحر الأحمر وتهدد الاقتصاد الإسرائيلي، معتبرة أن الرد المباشر عبر عمليات اغتيال أو ضربات نوعية بات “حتميًا”.
لكن المشكلة لا تكمن في القرار بل في التنفيذ. فالحوثيون، الذين خاضوا معارك طويلة ضد السعودية والإمارات، طوّروا خبرة عسكرية وأمنية مكنتهم من تحصين قياداتهم. معظم مقرات القيادة والتحكم أصبحت تحت الأرض، وأخرى موزعة في مناطق مجهولة، مما يعقّد عمل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية ويجعل بنك الأهداف هشًا وغير مضمون النتائج. وهذا يضع إسرائيل أمام معضلة جديدة: كيف تستهدف خصمًا قادرًا على إخفاء قوته وتحريكها في توقيتات دقيقة؟
فشل الاغتيال: ضربة للموساد
المحاولة الفاشلة لاغتيال الغماري كشفت ضعفًا في القدرة الإسرائيلية على الاختراق البشري والاستخباراتي. فبحسب “والا”، فإن العملية استهدفت اجتماعًا لقيادات بارزة، لكنها انتهت دون نتيجة تُذكر. هذا الفشل يوازي في رمزيته إخفاقات سابقة عاشها الموساد في محاولات استهداف قادة المقاومة الفلسطينية في غزة أو لبنان، لكنه هذه المرة يرتبط بجبهة جديدة لم يكن الإسرائيليون مستعدين لها.
المصادر العسكرية الإسرائيلية نفسها اعترفت بصعوبة استهداف الحوثيين، ووصفتهم بأنهم “تحدٍ معقد” يصعب التعامل معه بالأساليب التقليدية. وهذا الاعتراف لا يقتصر على البعد العسكري فحسب، بل يطال صورة إسرائيل أمام جمهورها الداخلي وحلفائها الإقليميين والدوليين. فكيف يمكن لجيش يدّعي أنه الأكثر تفوقًا في الشرق الأوسط أن يفشل في الوصول إلى قائد عسكري في بلد يعاني من حرب وحصار منذ سنوات؟
المقارنة مع التجربة الأمريكية: دروس لم يتعلمها الاحتلال
صحيفة “والا” أعادت التذكير بالتجربة الأمريكية الفاشلة في اليمن مطلع هذا العام، حين أطلق الجيش الأمريكي عملية “Rough Rider” بين آذار/مارس وأيار/مايو الماضيين. العملية شملت أكثر من ألف غارة جوية، أدت إلى مقتل مئات الحوثيين وتدمير مواقع عسكرية ومخازن سلاح. ومع ذلك، لم تتغير المعادلة: الحوثيون استعادوا عافيتهم سريعًا وواصلوا استهداف السفن والطائرات.
الولايات المتحدة تكبدت خسائر فادحة، أبرزها إسقاط سبع طائرات مسيّرة متطورة من طراز MQ-9 Reaper بقيمة تتجاوز 200 مليون دولار، فضلًا عن فقدان مقاتلات F-18 من على متن حاملة طائرات. أمام هذه النتائج، فضّل البيت الأبيض الانسحاب والذهاب نحو التفاوض. هذا الدرس كان ينبغي أن يقرأه الإسرائيليون بعناية، لكن يبدو أنهم يكررون الأخطاء ذاتها، دون إدراك أن الحوثيين لم يعودوا مجرد ميليشيا محلية بل قوة إقليمية تمتلك منظومات متطورة وحاضنة شعبية.
تداعيات الفشل على الاستراتيجية الإسرائيلية
فشل عملية الاغتيال الأولى يضع إسرائيل أمام خيارات محدودة. التصعيد المباشر قد يفتح جبهة استنزاف جديدة لا طاقة لتل أبيب بها، خصوصًا في ظل انشغالها بقطاع غزة وتهديدات حزب الله في الشمال. وفي المقابل، التراجع عن خيار الاغتيالات يعني منح الحوثيين جرعة إضافية من الثقة والنفوذ، خاصة أنهم يقدمون أنفسهم كجزء من محور المقاومة ضد الاحتلال.
من الناحية السياسية، أي عملية إسرائيلية واسعة في اليمن قد تضع تل أبيب في مواجهة مباشرة مع إيران، التي تعتبر الداعم الأبرز للحوثيين. كما قد تفجر توترات مع واشنطن، التي تفضّل استمرار التهدئة والتفاوض في البحر الأحمر بعد خسائرها الأخيرة. هذا التناقض بين الرؤية الإسرائيلية والرؤية الأمريكية قد يفتح فجوة جديدة داخل التحالف الغربي في المنطقة.
الخاتمة: مأزق متجدد في ساحة جديدة
تكشف هذه التطورات أن إسرائيل عالقة في مأزق استراتيجي متجدد. فهي تريد ضرب الحوثيين لإسكات صواريخهم، لكنها تفتقر إلى الأدوات اللازمة لتحقيق ذلك. فشلها في اغتيال الغماري ليس مجرد إخفاق عملياتي عابر، بل مؤشر على محدودية القوة الإسرائيلية أمام فاعلين جدد غير تقليديين.
اليوم، يبدو أن الاحتلال يحاول استنساخ تجارب الآخرين دون قراءة متأنية للواقع. النتيجة هي بنك أهداف على الورق، يقابله خصم بارع في التخفي وإعادة التموضع. ومع استمرار هذا العجز، قد يجد الإسرائيليون أنفسهم أمام معادلة أكثر تعقيدًا: لا قدرة على الردع الكامل، ولا قدرة على التعايش مع تهديد لا يتوقف. هكذا، يتحول الفشل الاستخباراتي إلى عنوان رئيسي يلخص علاقة تل أبيب بجبهة اليمن: جبهة فتحت ولم يعد إغلاقها بيدها.
اقرأ أيضًا : نقابة الصحفيين بتونس تحذّر من قمع قيس سعيد وانحراف الإعلام العمومي