في جريمة جديدة تُضاف إلى سجل الاحتلال المثقل بالمجازر، شهد مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في مدينة صيدا جنوبي لبنان، مساء الثلاثاء، واحدة من أكثر الضربات دموية منذ بدء التصعيد الإسرائيلي على لبنان قبل أسابيع، رغم استمرار الحديث دوليًا عن “هدنة هشة”. فقد أعلنت وزارة الصحة اللبنانية استشهاد 13 فلسطينيًا في غارة إسرائيلية استهدفت ملعبًا رياضيًا مغلقًا يرتاده الشبان، في مشهد يؤكد — بحسب سكان المخيم — أن الاحتلال تعمّد قصف موقع مدني مكتظ بهدف إيقاع أكبر عدد من الضحايا.

ولم يمض وقت طويل على الضربة حتى تحولت أزقة المخيم إلى طوارئ مفتوحة؛ سيارات الإسعاف تهرع، عائلات تبحث عن أبنائها، وصوت مكبرات المساجد ينادي للتبرع بالدم. مستشفيات صيدا أعلنت حالة استنفار كامل، وأطلقت نداءات عاجلة لإنقاذ الجرحى الذين توزعت إصاباتهم بين الخطرة والبالغة، وسط نقص واضح في المستلزمات الطبية.

 

مسرح الجريمة: ملعب رياضي لا “مجمّع تدريبات”

على الفور، حاول جيش الاحتلال تبرير جريمته بالزعم أن الغارة استهدفت “عنصرين من حماس داخل مجمع تدريبات” في جنوب لبنان. إلا أن هذه الرواية سقطت سريعًا أمام شهادات سكان عين الحلوة والناشطين، الذين أكدوا أن الموقع المستهدف هو ملعب ميني فوتبول مغلق، معروف لدى جميع أهالي المخيم، ويشكل متنفسًا للشبان وصغار السن.

وأكد السكان أن الملعب غالبًا ما يكون مكتظًا بعد ساعات المساء بسبب الإقبال الشديد على ممارسة كرة القدم، ما جعل الضربة الإسرائيلية — وفق وصفهم — استهدافًا مباشرًا للمدنيين وليس لأي موقع عسكري كما يزعم الاحتلال.

هذه الشهادات، إلى جانب مقاطع الفيديو التي انتشرت مباشرة بعد الغارة، أظهرت بوضوح حجم الدمار وسقوط الضحايا داخل موقع رياضي صغير، لا يمت بصلة لأي بنية قتالية، لتظهر الجريمة كما هي: قصف متعمد لمرفق مدني تحت غطاء رواية أمنية مزيفة.

خرق واضح للهدنة وتصعيد مدروس خارج غزة

اللافت في التوقيت أن الضربة جاءت في ظل حديث دولي متكرر عن “هدنة إنسانية” في غزة وعن “خفض منسوب التصعيد” على الجبهة اللبنانية، إلا أن الاحتلال اختار تنفيذ عملية واضحة تحمل رسالة سياسية وأمنية مزدوجة: أولاً توسيع نطاق الضغط على المقاومة عبر استهداف المخيمات الفلسطينية، وثانيًا اختبار رد فعل لبنان والفصائل على جريمة بهذا الحجم.

وبذلك، تتحول الغارة إلى خرق صريح للهدنة المعلنة وغير المعلنة، وتكشف أن الاحتلال يواصل استراتيجية “توسيع الاشتباك” خارج غزة، عبر ضربات محسوبة تستهدف بيئات مدنية ضعيفة مثل المخيمات.

حماس: جريمة وحشية هدفها التحريض على المخيمات

في أول تعليق لها، دانت حركة حماس المجزرة ووصفتها بأنها “اعتداء وحشي على شعب أعزل في مكان مكتظ بالمدنيين وقرب أحد المساجد”. ونفت الحركة بشكل قاطع وجود أي منشآت عسكرية داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان، مؤكدة أن المكان المستهدف كان ملعبًا رياضيًا يرتاده الفتيان، وأن الشهداء جميعهم من المدنيين.

وقالت الحركة إن مزاعم الاحتلال حول “مجمّع تدريبات” ليست سوى “أكاذيب لإيجاد غطاء إعلامي وسياسي لجريمة مكتملة الأركان”، مضيفة أن الهدف الحقيقي هو تحريض السلطات اللبنانية والرأي العام على المخيمات الفلسطينية، في محاولة لخلق بيئة ضغط على المقاومة.

وحملت حماس الاحتلال المسؤولية الكاملة عن الجريمة، وعن انتهاك سيادة لبنان وقصف مواقع مدنية بحتة، معتبرة أن العدوان على عين الحلوة هو امتداد للمجازر التي يرتكبها الاحتلال في غزة والضفة والجنوب اللبناني.

إضراب عام وحداد على الشهداء

أعلنت القوى الوطنية والفعاليات المدنية في مخيم عين الحلوة إضرابًا شاملًا اليوم الأربعاء، يشمل المحال التجارية ومدارس الأونروا وكل المرافق العامة، حدادًا على أرواح الشهداء. واعتبر وجهاء المخيم أن ما جرى يمثل “مجزرة جديدة تستهدف كسر إرادة اللاجئين الفلسطينيين وإدخال المخيم في دائرة الفوضى”، مؤكدين أن المخيمات الفلسطينية ستظل “خارج حسابات العدو”، مهما حاول الاحتلال جرّها لتوترات داخلية.

لماذا يستهدف الاحتلال المخيمات الفلسطينية في لبنان الآن؟

تحمل الغارة، وفق مراقبين، عدة دلالات:

  1. رسالة ضغط عابرة للحدود: الاحتلال يحاول القول إن معركة غزة لن تبقى محصورة داخل القطاع، وإنه قادر على مطاردة الفلسطينيين في أي مكان، بهدف ردع أي دعم لبناني أو فلسطيني للمقاومة.

  2. خلخلة الاستقرار في جنوب لبنان: عبر ضرب عين الحلوة — أكبر المخيمات الفلسطينية وأكثرها كثافة — يسعى الاحتلال لزرع القلق الشعبي وخلق حالة غضب داخلية.

  3. استثمار سياسي داخلي إسرائيلي: في ظل إحراج الحكومة أمام أسريها في غزة واستمرار الانتقادات الداخلية، يلجأ الاحتلال لتوجيه ضربات خارجية تظهره بمظهر “المبادر”.

خلاصة

ما جرى في مخيم عين الحلوة ليس “حادثًا أمنيًا محدودًا”، بل مجزرة مكتملة الأركان تكشف — مرة أخرى — أن الاحتلال لا يفرّق بين غزة وصيدا، ولا بين مقاوم وفتيان يلعبون كرة القدم. إنها جريمة تفضح طبيعة هذا الكيان الذي يخرق الهدنة كلما سنحت الفرصة، ويستبيح أرواح المدنيين في كل مكان، تحت ذرائع جاهزة لا تقنع أحدًا.

اقرأ أيضًا : الاحتلال ينهب 20 ألف قطعة أثرية من غزة.. جريمة جديدة لطمس الذاكرة الفلسطينية