في إشارة خطيرة تعكس هشاشة الهدنة القائمة واحتمال العودة إلى جرائم واسعة ضد المدنيين، صعّد رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير من نبرته الأحد، قائلاً إن جيشه “مستعد لشن هجوم واسع واحتلال مناطق إضافية في قطاع غزة خلف الخط الأصفر”. 

وجاءت تصريحاته خلال جولة ميدانية في رفح جنوب القطاع، المنطقة التي يحتلها الجيش الإسرائيلي بالكامل منذ الأشهر الماضية، رغم أن المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنص على انسحاب تدريجي ومتزامن مع انتشار قوة استقرار دولية.

الخط الأصفر: من حدود وقف إطلاق النار إلى أداة تطويق وخنق

ادّعى زامير أن “الخط الأصفر” يمثل “خط تطويق وسيطرة”، لكن الحقيقة –وفق اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي– أنه الخط الذي انسحب إليه الجيش الإسرائيلي في إطار المرحلة الأولى من الخطة الأمريكية. هذا الخط يمتد على مساحة تتجاوز نصف قطاع غزة، ويشكّل حاجزًا فعليًا بين المناطق التي أبقى الاحتلال قواته فيها وتلك التي تراجع منها شكليًا، فيما يستمر باستهداف كل فلسطيني يقترب من هذه المنطقة حتى دون تجاوزها.

ومنذ الاتفاق، تحول الخط الأصفر إلى منطقة قتل مفتوحة، إذ وثّقت منظمات حقوقية استهداف جنود الاحتلال فلسطينيين عُزّل حاولوا العودة إلى منازلهم أو مزارعهم أو حتى البحث عن مياه وغذاء في المناطق الحدودية. وبذلك أصبح الخط مسرحًا لسياسة تطويق خانقة تُستخدم للضغط على السكان وإبقاء القطاع معزولًا ومشلول الحركة.

عامان من الإبادة… هدنة هشة لا توقف نزيف غزة

وقف إطلاق النار أنهى –على الورق– حرب إبادة جماعية استمرت لعامين منذ الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وخلّفت أكثر من 69 ألف شهيد وما يزيد عن 170 ألف جريح، إضافة إلى دمار هائل أصاب 90% من البنى التحتية المدنية، بخسائر أولية تجاوزت 70 مليار دولار. ومع ذلك، فإن تصريحات زامير تعكس بوضوح أن الاحتلال لا يتعامل مع الهدنة كاتفاق ملزم بقدر ما يعتبرها “فترة لإعادة التموضع”، وربما مقدمة لجولة جديدة أشد عنفًا.

وقال زامير صراحة: “نحن نسيطر على أكثر من 50 بالمئة من أراضي غزة دون السيطرة على السكان”. هذه الجملة وحدها تكشف جوهر الاستراتيجية العسكرية: السيطرة على الجغرافيا، وترك السكان تحت الحصار والفوضى الإنسانية، واستخدام الخط الأصفر كأداة لقطع أوصال غزة في انتظار اللحظة المناسبة لإعادة احتلال مناطق جديدة.

التجهيز لجولة جديدة: احتلال ما بعد الخط الأصفر

في لهجة تعكس نوايا تصعيد واضحة، قال زامير: “إذا طُلب منا، يجب أن نكون مستعدين لانتقال سريع إلى هجوم واسع لاحتلال مناطق تقع خلف الخط الأصفر”. كما تحدث عن “تطهير المنطقة من بنى تحتية لحماس”، رغم أن الجيش نفسه يعترف بغياب أي مواجهة حقيقية منذ اتفاق الهدنة، وأن تحركاته تتركز جنوب الخط في عمليات تمشيط وفرض سيطرة.

وأضاف أن الجيش سيواصل “تفكيك الحركة وتجريد القطاع من السلاح سواء عبر اتفاق أو بوسائل عسكرية”، ما يشير إلى أن القيادة العسكرية تستعد لمرحلة عملياتية أخرى، وربما تستخدم أي توتر أو حادث كذريعة لكسر الهدنة.

مخططات التقسيم تعود للواجهة: غزة جديدة وغزة قديمة

بالتزامن مع تهديدات زامير، كشفت صحيفة “هآرتس” أن الجيش فوجئ بموافقة بنيامين نتنياهو على طرح أمريكي لتقسيم غزة إلى منطقتين: “غزة الجديدة” و“غزة القديمة”. ووفق الصحيفة، ستكون “غزة الجديدة” –القابعة شرق الخط الأصفر– المنطقة المختارة لإعادة الإعمار وتواجد قوات الاحتلال وقوة الاستقرار الدولية لاحقًا، فيما تُترك “غزة القديمة” غارقة في الدمار والفقر كما هي، ما يعني عمليًا خلق كيانين منفصلين داخل القطاع.

هذا المقترح، إن صح، يمثل صيغة التفافية على التهجير القسري، لأنه يعيد إنتاج مناطق عازلة ومناطق مؤهلة للحياة، مما يدفع مئات آلاف الفلسطينيين إلى النزوح مجددًا باتجاه “المنطقة الجديدة” بحثًا عن الخدمات والنجاة.

رفض مصري قاطع: لا تقسيم ولا تهجير

رد القاهرة جاء واضحًا وسريعًا. ففي حديث صحفي لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع “لاريبوبليكا” الإيطالية، أكد رفض مصر “الكامل لأي محاولة لتقسيم قطاع غزة أو تهجير الفلسطينيين”، مشددًا على أن وحدة الأراضي الفلسطينية “ركيزة أساسية لأي حل عادل ودائم”.

التصريحات المصرية تعكس قلقًا حقيقيًا من أن تقسيم غزة قد يكون مقدمة لدفع الفلسطينيين نحو سيناريوهات تهجير جماعي، سواء باتجاه سيناء أو عبر ممرات قسرية داخل القطاع، وهو ما ترفضه القاهرة بشكل مطلق.

خلاصة: الهدنة على حافة الانهيار والاحتلال يتأهب لمجازر جديدة

تكشف تصريحات زامير بوضوح أن الاحتلال يستخدم الهدنة كمرحلة لإعادة التموضع لا كاتفاق لإنهاء الحرب. “الخط الأصفر” لم يعد مجرد خط انسحاب بل أصبح خط تطويق يخنق غزة، بينما التقسيم المطروح يشي بتخطيط استراتيجي طويل المدى لخلق واقع جديد يُضعف وحدة القطاع.

في ظل هذه التطورات، تصبح الهدنة الحالية مجرد واجهة هشة تخفي خلفها استعدادات عسكرية وسياسية لجولة جديدة من المجازر، قد تنفجر في أي لحظة إذا ما قررت قيادة الاحتلال تغيير قواعد اللعبة.

اقرأ أيضًا : الإمارات تغذي المأساة..  الأمم المتحدة تكشف اختفاء عشرات الآلاف من نازحي الفاشر