في تصعيد غير مسبوق منذ بداية الاشتباك المفتوح بين إيران وإسرائيل، أعلن الجيش الإسرائيلي اليوم السبت مسؤوليته عن اغتيال ثلاثة من كبار قادة الحرس الثوري الإيراني، بينهم قائدان بارزان في “فيلق القدس”، وذلك ضمن سلسلة من الغارات الجوية التي استهدفت عشرات المواقع الإيرانية في غرب ووسط البلاد.
لعملية، التي استخدمت فيها إسرائيل نحو 50 طائرة حربية، تعكس انتقالًا نوعيًا في سياستها العدوانية من الضربات المحسوبة إلى عمليات اغتيال منظمة داخل العمق الإيراني، مما يثير تساؤلات حيال مستقبل الصراع بين الجانبين وحدوده.

رؤوس مستهدفة.. ورسائل بالدم
أبرز ضحايا الضربات الإسرائيلية كان سعيد إيزادي، قائد ما يُعرف بـ”فيلق فلسطين” داخل قوة القدس التابعة للحرس الثوري، والذي اغتيل إثر استهداف شقة سكنية في حي السلارية بمدينة قم، وسط إيران.
ووفق بيان الجيش الإسرائيلي، فإن إيزادي لعب دورًا محوريًا في تنسيق الدعم الإيراني مع حركة حماس، وكان أحد المهندسين الأمنيين لخطط ما قبل هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بالإضافة إلى إشرافه على العمليات الداعمة لحماس من داخل الأراضي اللبنانية.
أما القائد الثاني، بهنام شهرياري، فقد استُهدف في غارة غربية إيران، ووصِف من قبل الجيش الإسرائيلي بأنه المسؤول عن عمليات نقل السلاح والتمويل لفصائل المقاومة، لا سيما حماس وحزب الله، مما يجعله هدفًا إستراتيجيًا ضمن حرب الظل المستمرة بين طهران وتل أبيب.
وفي تطور لافت، أعلن الاحتلال كذلك اغتيال قائد الفرقة الثانية للطائرات المسيرة بسلاح الجو في الحرس الثوري، ضمن غارات استهدفت مناطق من بينها أصفهان، خرم آباد، وقم، ما يشير إلى استهداف مباشر للبنية التكنولوجية والعسكرية الإيرانية، خصوصًا قدرات الطائرات المسيّرة التي تشكل جزءًا مهمًا من قوة الردع الإيرانية.
سياسة اغتيالات لا أخلاقية: ما وراء التكتيك الدموي؟
النهج الإسرائيلي المستمر في تصفية القادة العسكريين والعلماء النوويين الإيرانيين يكشف عن وجه الاحتلال الأكثر دناءة، والذي يتجاوز كل القوانين والأعراف الدولية.
فاللجوء إلى الاغتيالات كأداة سياسية وأمنية لا يعبّر عن قوة، بل عن عجز استخباراتي واستراتيجي، يعكس فشل إسرائيل في وقف نفوذ إيران المتنامي في المنطقة عبر الوسائل التقليدية.
كما أن ضرب المدنيين خلال الغارات – كما حدث في حيّ سكني بمدينة قم وأسفر عن مقتل طفل – يُبرز استهتار الاحتلال بحياة الأبرياء، واستخدامه الغطاء “الإرهابي” كمبرر دائم لتصفية حساباته الجيوسياسية، وهو ما يشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
التلفزيون الإيراني تحدث عن مقتل خمسة من عناصر الحرس الثوري في خرم آباد، بالإضافة إلى نشر موقع “نور نيوز” المقرّب من مجلس الأمن القومي الإيراني قائمة تضم 15 ضابطًا وجنديًا من قوات الدفاع الجوي قُتلوا جراء الهجمات الأخيرة، ما يعكس حجم الخسائر المادية والبشرية التي خلّفها القصف الإسرائيلي.
بين الحرب الباردة والحرب الساخنة: هل اقتربت لحظة الانفجار؟
منذ منتصف يونيو/حزيران الجاري، وإسرائيل تنفذ سلسلة ضربات منظمة داخل العمق الإيراني، استهدفت منشآت ومواقع وقادة بارزين في الحرس الثوري والبرنامج النووي الإيراني. وهو ما يؤشر إلى تصعيد غير مسبوق، يتجاوز قواعد الاشتباك السابقة ويقترب من إعلان حرب شاملة.
لكن هذه السياسة تنطوي على مخاطرة كبيرة؛ إذ أن إسرائيل تُغامر بإشعال رد فعل إيراني واسع، في ظل تزايد الضغط الداخلي على طهران للرد على الاستفزازات.
وفي حال قررت إيران كسر سياسة “ضبط النفس”، فقد يشهد الإقليم انفجارًا أوسع، خصوصًا أن حزب الله وحماس – المتضرران المباشران من عمليات الاغتيال – قد يجدان في التصعيد فرصة لاستعادة المبادرة.
الأخطر أن هذه العمليات لا تتم في فراغ، بل تأتي ضمن سياق دولي مأزوم، يتمثل في الحرب على غزة، والتوتر الأميركي-الإيراني، والانقسامات الأوروبية، ما يرفع احتمالات انفجار حرب إقليمية متعددة الأطراف في حال تجاوز أحد الطرفين الخطوط الحمراء.
خاتمة: هل الاغتيال حل أم استدعاء للكارثة؟
اغتيال إسرائيل لقيادات إيرانية بارزة في الداخل الإيراني ليس انتصارًا استخباريًا بقدر ما هو إعلان بفقدان السيطرة على أدوات الردع التقليدية، وتحول الصراع إلى سياسة “الأبواب المفتوحة” على المجهول.
فحين تختار دولة اغتيال الخصوم بدل مواجهتهم دبلوماسيًا أو عبر القنوات القانونية، فإنها لا تبحث عن حلول، بل تستدرج حروبًا دامية تأكل الأخضر واليابس.
المنطقة اليوم تقف على حافة انفجار جديد، و”سياسة الدم” التي ينتهجها الاحتلال – بإشراف ومباركة أميركية – لن تجلب الأمن لتل أبيب، بل مزيدًا من الكراهية والعنف، ودوامة لا تنتهي من الاغتيالات والثأر.
والسؤال الأهم: إلى متى سيبقى العالم صامتًا أمام هذه الوحشية المُمنهجة؟ وهل يُعقل أن تُترك دولة خارجة عن القانون تتحكم بمصير المنطقة بهذه الطريقة الدموية؟
اقرأ أيضًا : دموع التماسيح في سوروكا.. الاحتلال يتباكى على مستشفى قُصِف جزئياً و”ينسى” 35 مشفى دمرها في غزة!