في مشهد يعكس من جديد استهتار الاحتلال الإسرائيلي بالقانون الدولي وسيادة الدول، شنّ سلاح الجو الإسرائيلي غارة جوية استهدفت شقة سكنية في مبنى يقع بحي كسار الزعتر على أطراف مدينة النبطية جنوب لبنان، بزعم احتوائها على مقر قيادة تابع لحزب الله. 

أسفرت الغارة عن إصابة ثمانية مدنيين، بينهم أربعة أطفال وثلاث نساء، بجروح متفاوتة، وفق ما أكدته وزارة الصحة اللبنانية، وسط حالة من الهلع والفوضى التي عمّت المنطقة جراء الانفجار.

تفاصيل الهجوم وذريعة الاحتلال

وقعت الغارة، مساء الاثنين، حين استهدفت طائرة إسرائيلية المبنى بصاروخ موجّه، مما أدى إلى أضرار جسيمة في الطابق المستهدف وتهشيم نوافذ المباني المجاورة. ووفقاً لشهود عيان، اخترق الصاروخ الجدار الخارجي للمبنى قبل أن ينفجر داخل إحدى الشقق، محدثًا حريقًا وانهيارات جزئية، وأدى إلى إصابات تراوحت بين الطفيفة والمتوسطة في صفوف المدنيين الذين تم نقلهم إلى مستشفيات النبطية الحكومية والخاصة لتلقي العلاج.

جيش الاحتلال الإسرائيلي لم يُنكر تنفيذ الضربة، بل أعلن بوضوح على لسان المتحدث باسمه أفيخاي أدرعي، عبر تطبيق “تلغرام”، أن “طائرة لسلاح الجو أغارت على مقر قيادة لحزب الله في منطقة النبطية”، زاعمًا أن وجود هذا المقر داخل منطقة سكنية “يعد خرقًا للتفاهمات بين إسرائيل ولبنان”. لكن اللافت أن المبنى المستهدف لم يكن موقعًا عسكريًا ظاهرًا بل مبنى سكني عادي يقطنه مدنيون، وهو ما يثير تساؤلات واسعة حول حقيقة الدوافع الإسرائيلية وأهدافها الكامنة.

تجاوز للخطوط الحمراء وخرق للاتفاقات

هذا الهجوم يأتي ضمن سلسلة من الخروقات الإسرائيلية المتواصلة للاتفاق غير المعلن لوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي بين حزب الله وإسرائيل بوساطة دولية، والذي قضى بوقف العمليات العسكرية المتبادلة على طول الحدود اللبنانية – الفلسطينية المحتلة. ورغم هذا الاتفاق، لم تتوقف إسرائيل عن تنفيذ عمليات اغتيال داخل الأراضي اللبنانية، استهدفت عناصر من حزب الله وشخصيات لبنانية، بل وحتى مدنيين، في خرق واضح للسيادة اللبنانية ولقواعد القانون الدولي الإنساني.

فقط قبل يوم واحد من قصف النبطية، نشر جيش الاحتلال مقطع فيديو قال إنه يوثق اغتيال القيادي في حزب الله محمد علي ياسين (المعروف بـ”هشام”)، بعد استهداف مركبته بصاروخ موجه في منطقة برج قلاويه بوادي الحجير جنوبي لبنان. وقد نعى حزب الله ياسين بوصفه “شهيدًا قضى أثناء أداء واجبه الجهادي”، في إشارة إلى استمرار سياسة الاغتيالات التي تنتهجها تل أبيب على الأراضي اللبنانية منذ سنوات.

رسائل تصعيدية واستعراض للقوة

يرى محللون أن هذا القصف ليس مجرد عملية عسكرية محدودة بل رسالة سياسية وعسكرية من الاحتلال الإسرائيلي مفادها أن يده ما تزال طليقة في الجنوب اللبناني، وأنه مستعد لتجاوز كل الخطوط الحمراء إذا شعر بأن حزب الله يعزز وجوده أو يعيد ترتيب صفوفه بعد الحرب الأخيرة في غزة. فالاحتلال الذي يواجه انتقادات دولية متزايدة بسبب جرائمه في القطاع، يحاول على ما يبدو فتح جبهة استعراض جديدة في لبنان ليعيد ترميم صورته المهتزة داخليًا وخارجيًا.

كما أن تبرير استهداف المدنيين بذريعة وجود “مقر لحزب الله” داخل مبنى سكني، يعكس محاولة لتكريس سياسة الضربات الاستباقية دون أدلة، في إطار ما تسميه إسرائيل “معركة بين الحروب”. غير أن هذا النهج يهدد بإشعال جبهة الجنوب مجددًا، خصوصًا أن الضربة طالت منطقة داخل عمق الأراضي اللبنانية، وليست على الشريط الحدودي، وهو ما يعتبره المراقبون تصعيدًا خطيرًا قد يجر المنطقة إلى مواجهة واسعة النطاق.

انتهاك للسيادة اللبنانية وصمت دولي مريب

الهجوم الجديد يسلط الضوء على واقع مقلق يتمثل في غياب أي ردع دولي فعلي لتجاوزات الاحتلال المتكررة للأراضي اللبنانية. فبينما أدانت وزارة الصحة اللبنانية الاعتداء وأكدت أن الضحايا جميعهم مدنيون، اكتفت الأمم المتحدة بتصريحات عامة تدعو إلى “ضبط النفس”، دون اتخاذ أي إجراء عملي لوقف هذه العربدة الإسرائيلية. ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه لبنان من أزمات سياسية واقتصادية خانقة، تجعلها عاجزة عن مواجهة الاعتداءات المتكررة أو حتى الرد الدبلوماسي القوي عليها.

هذا الصمت الدولي يشجع إسرائيل على التمادي في انتهاك السيادة اللبنانية، ويبعث برسالة مفادها أن الدم اللبناني مستباح طالما يمكن تغليفه بادعاءات أمنية فضفاضة عن “وجود عناصر لحزب الله”. وهو ما يدفع كثيرًا من اللبنانيين إلى التحذير من أن استمرار هذه الضربات سيقود حتمًا إلى انهيار اتفاق التهدئة الهش وعودة شبح الحرب المفتوحة على الحدود الجنوبية.

خاتمة: نحو انفجار محتمل؟

يعكس القصف الإسرائيلي على النبطية سياسة ممنهجة لتوسيع رقعة المواجهة واستدراج حزب الله إلى رد عسكري مباشر، في وقت يسعى فيه الاحتلال إلى تحويل الأنظار عن إخفاقاته في غزة واحتوائه الداخلي المتصدع. لكن هذه الاستراتيجية المحفوفة بالمخاطر قد ترتد على تل أبيب نفسها، إذ أن أي رد واسع من حزب الله سيقود المنطقة إلى مواجهة شاملة لا تبدو إسرائيل في وضع يؤهلها لتحمل كلفتها.

في المحصلة، يظهر الهجوم على النبطية كحلقة جديدة في مسلسل العربدة الإسرائيلية وانتهاك سيادة لبنان، ويكشف أن الاحتلال لا يزال يرى في لبنان ساحة مباحة لتصفية حساباته، غير عابئ بالقانون الدولي ولا بأرواح المدنيين، وهو ما ينذر بمستقبل متوتر قد ينفجر في أي لحظة.

اقرأ أيضًا : أنصار الله تقصف مطار رامون وهدفًا عسكريًا في النقب: ضربة تُعرّي هشاشة الاحتلال