لم تكن ليلة السبت كغيرها من الليالي على سكان قطاع غزة، إذ عاش الأهالي ساعات مرعبة جراء سلسلة غارات جوية إسرائيلية دموية استهدفت مناطق متفرقة من مدينة غزة وخان يونس، أسفرت عن عشرات الشهداء والجرحى، معظمهم من المدنيين العزل، وبينهم أطفال ونساء ومسنون.

ففي شارع يافا بحي التفاح شرق مدينة غزة، استهدفت غارة إسرائيلية منزلاً مأهولاً، ما أدى إلى استشهاد أربعة فلسطينيين وإصابة عشرة آخرين بجروح متفاوتة، حسبما أكد مصدر طبي في مستشفى الشفاء.

وشهد حي الشيخ رضوان شمال غرب غزة استهدافًا مباشرًا لشقة سكنية أسفر عن سقوط شهداء وجرحى، فيما قصفت طائرات الاحتلال مبنى آخر في حي الرمال غرب المدينة كان يؤوي نازحين فرّوا سابقًا من مناطق القتال، مما أدى إلى استشهاد أربعة مدنيين على الأقل.

الغارات لم تقتصر على الجو، بل ترافقت مع قصف مدفعي مكثف، خاصة في أحياء الشجاعية والتفاح، بالتزامن مع إطلاق زوارق الاحتلال الحربية نيرانها تجاه المناطق الساحلية شمال غرب غزة.

الاحتلال يدمر غزة حجراً وبشراً: عمليات نسف ممنهجة للمباني

ما بات يُعرف بسياسة “الأرض المحروقة” تجلّى بوضوح في حي الزيتون جنوبي مدينة غزة، حيث لجأت قوات الاحتلال إلى استخدام روبوتات لتفجير المنازل القريبة من مسجد صلاح الدين، وهو أسلوب يُظهر استهتاراً كاملاً بحياة المدنيين وبقواعد القانون الدولي الإنساني.

وفي شمال القطاع، واصلت طائرات الاستطلاع من نوع “كواد كابتر” إطلاق النار العشوائي على منازل المواطنين في منطقة الزرقاء ببلدة جباليا، بينما نُفذت فجر اليوم عمليات نسف واسعة للمباني السكنية إلى الشرق من البلدة، ما أدى إلى تسوية عدة بنايات بالأرض وتشريد سكانها.

الأمر لم يتوقف عند المناطق الشمالية، إذ شهدت وسط مدينة خان يونس ومدينة دير البلح جنوب ووسط القطاع، تدميرًا ممنهجًا للمباني، في عملية نسف جديدة للمنازل السكنية، وسط صمت دولي مريب وتخاذل من مؤسسات حقوق الإنسان.

استهداف مباشر للنازحين: خيام الموت في المواصي

في واحدة من أكثر الجرائم وضوحًا في استهداف المدنيين، قصفت الطائرات الإسرائيلية خيام النازحين في منطقة المواصي جنوب قطاع غزة، حيث تكتظ مئات العائلات الهاربة من الحرب بحثاً عن الأمان.

النتيجة كانت مجزرة جديدة: استشهاد سبعة فلسطينيين على الأقل وإصابة العشرات، وفق ما أعلن مستشفى الكويت الميداني. وفي غارة منفصلة على نفس المنطقة، ارتقى شهيد آخر.

الناجون أكدوا أن الغارات جاءت في وقت كان الأطفال والنساء نائمين، دون أي إنذار مسبق، لتتحول خيامهم إلى ركام وجثامين.

ومن بين الشهداء الذين تم التعرف على هوياتهم، الأسير المحرر عماد منصور، وهو أحد رموز الحركة الأسيرة الفلسطينية، ما يعكس استهدافًا متعمداً للقيادات المجتمعية.

إجرام بلا حدود: استهداف المجوعين ومراكز توزيع المساعدات

ليست هذه الليلة الأولى التي يمعن فيها الاحتلال الإسرائيلي في استهداف المراكز المدنية، لكنه خلال اليومين الماضيين صعّد من عمليات القتل الجماعي المباشر.

ففي يوم الجمعة وحده، استشهد 45 فلسطينيًا، بينهم 11 ممن وصفتهم المصادر الطبية بـ”المجوعين”، أي أولئك الذين قضوا أثناء محاولتهم الحصول على مساعدات إنسانية من مراكز توزيع تابعة لمنظمات دولية.

بحسب ما صرّح به مسؤولون أمميون، فإن هذه المراكز باتت تُشبه “مصايد موت”، حيث تقوم قوات الاحتلال باستهدافها بالقصف أو عبر نيران القناصة والطائرات المسيّرة.

ومنذ استئناف العدوان في مارس/آذار الماضي، ارتفعت حصيلة الشهداء إلى أكثر من 7300 فلسطيني، بينهم 800 من المجوعين الذين استُدرجوا إلى أماكن توزيع المساعدات.

جرائم حرب ممنهجة: الاحتلال ينتهك كل القوانين الإنسانية

ما يحدث في غزة لم يعد مجرد عدوان عسكري بل هو جريمة حرب متكاملة الأركان، تتجاوز كل المعايير الإنسانية والدولية. استهداف خيام النازحين، نسف المنازل السكنية، اغتيال الأسرى المحررين، وقصف المراكز التي يفترض أن تكون آمنة وفق القانون الدولي، كلّها أدلّة دامغة على سلوك إجرامي ممنهج.

القصف المكثف الذي طال مناطق التفاح والزيتون والشجاعية وحي الرمال ووسط خان يونس والنصيرات، يتم بلا أي تمييز بين مدني ومسلح، وهو ما يُظهر أن الهدف الحقيقي هو كسر صمود سكان غزة وتهجيرهم قسرًا من خلال بث الرعب والموت الجماعي.

خاتمة: غزة تختنق تحت أنقاض الصمت الدولي

مع كل يوم يمر، تُحاصر غزة ليس فقط بالقنابل والدبابات، بل بصمت العالم وتخاذله. الغارات الليلية الأخيرة تكشف عن إصرار إسرائيلي على مواصلة سياسة الإبادة الجماعية، في وقت يتواطأ فيه المجتمع الدولي بعدم اتخاذ أي خطوات رادعة.

ومع سقوط المزيد من الشهداء، تبقى غزة عنوانًا للثبات والصبر، لكنها تدفع الثمن وحدها، فيما العالم يكتفي بالمراقبة، وربما ببيانات الشجب التي لم تعد تُسمن أو تُغني عن دماء الأطفال والنساء تحت الأنقاض.

اقرأ أيضًا : نتنياهو يطلب وواشنطن ترفض: لماذا تجاهلت إدارة ترامب نداء تل أبيب لاستهداف الحوثيين؟