في مشهد يعكس تصاعد التوتر في الضفة الغربية المحتلة، اندلعت اشتباكات مسلحة عنيفة صباح الثلاثاء بين مقاتلي المقاومة الفلسطينية وقوات الاحتلال الإسرائيلي خلال اقتحام الأخيرة مدينة نابلس، في وقت شرعت فيه سلطات الاحتلال بنصب حواجز عسكرية وبوابات حديدية على مداخل عدد من المدن والبلدات بالضفة، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها جزء من سياسة خنق جغرافي وأمني تمهيدًا لتقسيم الضفة وفرض وقائع ميدانية جديدة بالقوة، وسط صمت مطبق من قيادة السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس.

مقاومة شرسة في نابلس وجنين

وقالت سرايا القدس – كتيبة نابلس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، إن مقاتليها تصدوا لقوات الاحتلال المتوغلة داخل المدينة عبر استهداف آلياتها العسكرية بعدد من العبوات الناسفة محلية الصنع من نوع “نابلسي 1” التي جرى تجهيزها مسبقًا في محاور الاشتباك. وأكدت الكتيبة في بيان مقتضب أن الهجوم أسفر عن “إصابات مباشرة” في صفوف القوة المقتحمة.

في السياق نفسه، أعلنت سرايا القدس – كتيبة جنين أن عناصرها في “سرية السيلة الحارثية” استهدفوا مركبة عسكرية إسرائيلية على الجدار الفاصل في قرية الطيبة شمال غرب جنين بعبوة موجهة من نوع “سجيل 2″، مؤكدة تحقيق “إصابات دقيقة ومباشرة”. هذه العمليات النوعية تؤشر إلى انتقال المقاومة من الرد الدفاعي إلى المبادرة الهجومية، وهو ما يربك منظومة الاحتلال الأمنية في عمق الضفة.

سياسة خنق ممنهجة: حواجز وبوابات لعزل المدن

بالتوازي مع المواجهات، أفادت مصادر محلية فلسطينية بأن قوات الاحتلال نصبت حواجز عسكرية وأقامت بوابات حديدية ومكعبات إسمنتية على مداخل عدة مدن وبلدات، بينها بوابة حديدية على مدخل مدينة يطا جنوب الخليل، وأخرى قرب بلدة الشواورة شرق بيت لحم، وثالثة قرب منطقة زبدة غرب جنين، إضافة إلى إغلاق مدخل بلدة الفندق شرق قلقيلية ببوابة حديدية.

كما اقتحمت قوات الاحتلال مدينة البيرة وداهمت مناطق عند مدخل مخيم الجلزون شمال المدينة، حيث نفذت عمليات تفتيش ومداهمات وعرقلت وصول الطلبة والموظفين إلى مدارسهم وأماكن عملهم، في ما يشبه فرض طوق أمني خانق يهدف لعزل المدن الفلسطينية وتحويلها إلى جيوب منفصلة ومحاصرة. ويأتي هذا ضمن سياسة “المناطق المنعزلة” التي تسعى تل أبيب لفرضها منذ سنوات عبر المستوطنات والجدار الفاصل والحواجز، ما يقطع التواصل الجغرافي بين مدن الضفة ويقوض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة.

استهداف ممنهج للمقدسات واغتيال ميداني بالقدس

بموازاة ذلك، أعلن الهلال الأحمر الفلسطيني استشهاد شاب فلسطيني برصاص الاحتلال بعد أن اجتاز جدار الفصل العنصري في منطقة الضاحية بمدينة القدس، حيث تسلمت طواقم الإسعاف جثمانه ونقلته إلى مستشفى رام الله. هذه الحادثة تضاف إلى سلسلة الإعدامات الميدانية التي ينفذها جيش الاحتلال دون محاسبة، ما يعكس تفشي سياسة إطلاق النار القاتل على الفلسطينيين لمجرد الاشتباه.

في الخليل، كشفت “هيئة مقاومة الجدار والاستيطان” أن سلطات الاحتلال أصدرت قرارًا بالاستيلاء على سقف الباحة الداخلية للحرم الإبراهيمي بمساحة 288 مترًا مربعًا، ضمن خطة تهويد ممنهجة تستهدف طمس المعالم الإسلامية وتحويل الحرم إلى بؤرة استيطانية كاملة، خاصة بعد أن نقل الاحتلال في فبراير/شباط الماضي صلاحيات العمل فيه من وزارة الأوقاف الفلسطينية إلى “هيئة التخطيط المدني” التابعة له، في خطوة وصفتها الهيئة بأنها “قرصنة على الأملاك الوقفية وانتهاك فج للقانون الدولي الإنساني”.

خيانة عباس وتواطؤ السلطة مع الاحتلال

ويأتي هذا التصعيد في ظل حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة، والتي ترافقها حملة قمع غير مسبوقة في الضفة الغربية، إذ تشير إحصاءات فلسطينية إلى استشهاد ما لا يقل عن 1021 فلسطينيا وإصابة نحو 7 آلاف آخرين، إضافة إلى اعتقال أكثر من 19 ألف مواطن منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

لكن الأخطر من جرائم الاحتلال، وفق مراقبين، هو موقف قيادة السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس التي تواصل تنسيقها الأمني مع الاحتلال رغم الجرائم اليومية بحق الشعب الفلسطيني. فقد التزمت السلطة الصمت حيال اجتياح نابلس ونصب الحواجز وخنق المدن، بل تلاحق النشطاء وتعتقل المقاومين في الضفة بالتنسيق مع المخابرات الإسرائيلية، وهو ما وصفه محللون بأنه “خيانة صريحة لتضحيات الشعب”، مؤكدين أن الاحتلال يستغل هذا التواطؤ لتوسيع مشروعه الاستيطاني وفرض نظام فصل عنصري شامل في الضفة.

ويرى هؤلاء أن استمرار عباس في التعاون الأمني والسياسي مع الاحتلال، ورفضه الانخراط في أي مواجهة شعبية أو ديبلوماسية جدية لوقف الجرائم الإسرائيلية، يعكس انفصال قيادته عن نبض الشارع الفلسطيني، ويفسّر حالة الغليان الشعبي المتصاعدة في الضفة الغربية.

خلاصة: الضفة على فوهة بركان

تطورات الساعات الأخيرة تعكس واقعًا متفجّرًا في الضفة الغربية، حيث يحاول الاحتلال فرض وقائع أمنية وجغرافية جديدة عبر الاجتياحات ونصب الحواجز ومصادرة الأراضي والمقدسات، في مقابل تصاعد عمليات المقاومة النوعية التي باتت أكثر جرأة وتنظيمًا. وفي ظل استمرار السلطة في نهجها القائم على التنسيق الأمني ورفضها الانخراط في مواجهة الاحتلال، تبدو الضفة الغربية مرشحة لموجة انفجار شعبي واسعة قد تتجاوز حدود العمل الفصائلي إلى انتفاضة شاملة، ما قد يفتح فصلًا جديدًا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

اقرأ أيضًا : رد عربي ضعيف.. انتقادات واسعة لمسودة قرار قمة الدوحة