في سابقة تعكس مدى الاستخفاف الإسرائيلي بحقوق الفلسطينيين، شرع جيش الاحتلال الإسرائيلي مؤخرًا في تنفيذ مخطط جديد ينطوي على انتهاك صارخ للقانون الدولي والإنساني، يتمثل في سرقة ركام المنازل والبنى التحتية المدمرة في قطاع غزة، ونقله إلى داخل الأراضي المحتلة، بحجة “إزالة الأنقاض”.

لكنّ حقيقة ما يجري يتجاوز مجرد التنظيف إلى عملية نهب منظّمة تُحوّل مخلّفات الحرب إلى مورد اقتصادي، بينما يُترك السكان في مواجهة كارثة إنسانية مستمرة.

 

الركام المنهوب: ثروة على حساب الكارثة

بحسب تقارير فلسطينية وشهادات ميدانية، تقوم جرافات وشاحنات عسكرية إسرائيلية يوميًا بنقل كميات ضخمة من الركام – من حجارة، وحديد، وإسمنت – إلى داخل الخط الأخضر، حيث يُعاد فرزها وتدويرها في مصانع مخصصة، قبل أن تُباع مجددًا لشركات البناء الإسرائيلية. 

وتُقدَّر قيمة هذه المواد المستخرجة بعشرات ملايين الدولارات، مما يحوّل دمار غزة إلى مشروع ربحي صريح.

اللافت أن صحيفة “هآرتس” العبرية كشفت في تقرير لها أن المقاولين المتعاقدين مع الجيش الإسرائيلي يتقاضون ما يقارب 1474 دولارًا عن كل منزل يُهدم أو تُزال أنقاضه. 

ونقلت الصحيفة عن أحد الجنود أن بعض المقاولين أصبحوا يَرَون في استمرار الحرب “فرصة تجارية”، ويعتبرون التوقف عن الهدم “خسارة مالية”. وهذا التصريح، وإن بدا عابرًا، يكشف عمق التواطؤ بين المؤسستين العسكرية والاقتصادية في تطبيع الجريمة وتحويلها إلى دخل قومي.

الاحتلال يطمس الأدلة ويمنع الإعمار

لا يقف هدف الاحتلال عند حد الاستفادة الاقتصادية من الركام، بل يتعدّاه إلى أبعاد أمنية وسياسية أخطر. إذ يُعدّ الركام في المناطق المنكوبة مادة يمكن استخدامها من قبل المقاومة الفلسطينية في التمويه أو تحصين المواقع، كما يمكن إعادة استخدامه محليًا في مشاريع إعادة الإعمار الأولية. 

لكن بنقل هذه الأنقاض، فإن الاحتلال لا يسرق فقط ما تبقّى من بقايا البيوت، بل يقطع الطريق على أي محاولة مستقبلية لبناء الحياة من جديد.

وتتركز هذه العمليات حاليًا في رفح، وشمال القطاع، وشرق خان يونس، حيث يجري العمل وفق خطة دقيقة لإزالة الركام بشكل كامل، بالتوازي مع محو كل ما يدلّ على حجم الدمار والجرائم التي ارتُكبت بحق السكان. وتشير صور الأقمار الصناعية إلى اختفاء ركام الأحياء المدمرة بالكامل في بعض المناطق خلال أسابيع فقط من انسحاب القوات منها.

الأكثر خطورة، كما أفادت بعض الشهادات المحلية، أن بعض عمليات الحفر وصلت إلى مناطق المقابر الجماعية، وسط خشية متزايدة من أن يكون الاحتلال يسعى إلى طمس الأدلة على الجرائم الجماعية، سواء عبر إزالة الجثث أو خلطها بين الركام المُصدّر.

توظيف القتل والدمار كمصدر للربح

يذهب بعض الناشطين الفلسطينيين إلى اعتبار ما يجري “اقتصاد حرب إجرامي” تمارسه إسرائيل على حساب شعب تحت الاحتلال. ففي الوقت الذي يمنع فيه الاحتلال إدخال مواد البناء والمساعدات الإنسانية إلى غزة، يعمل بالمقابل على تجريف الركام وبيعه، ما يجعل من الحرب مصدرًا للربح لا وسيلة لردع عدو.

التقارير الميدانية تؤكد أيضًا أن المكافآت المالية لا تقتصر على إزالة الركام فقط، بل قد تشمل مكافآت ضمنية أو مباشرة على تنفيذ عمليات قتل ممنهجة، بما في ذلك استهداف الفلسطينيين عند نقاط توزيع المساعدات، حيث قُتل المئات في ظروف غامضة تحت غطاء “الفوضى” الإنسانية.

إن ما يجري يعكس نسقًا استعماريًا كلاسيكيًا: يتم تدمير البنية التحتية، ثم تُسرق مواردها، بينما يُمنَع السكان الأصليون من الإعمار أو الحياة الطبيعية، ضمن سياسة تطهير بطيء تستهدف النسيج العمراني والاجتماعي والاقتصادي لغزة.

خاتمة: سرقة الركام ليست تفصيلاً بل جريمة حرب

لا يمكن التعامل مع نقل ركام غزة إلى إسرائيل على أنه تفصيل ثانوي في معركة أكبر. ما يحدث هو جريمة مركّبة: دمار، ثم سرقة، ثم منع للإعمار. 

وهو ما يتطلب موقفًا دوليًا حاسمًا لا يكتفي بالإدانات العامة، بل يُحاسب قادة الاحتلال على هذه الممارسات. فسرقة الركام هي جزء من جريمة إبادة أوسع نطاقًا، يجري تنفيذها ببطء، تحت غطاء “العمليات الإنسانية” بينما تتحول أنقاض المعاناة الفلسطينية إلى صفقات مقاولات مربحة في تل أبيب.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي.. الحرب تُجفف أراضي السودان وتُغرق المزارعين في دوامة الخسائر