في تصعيد جديد يؤكد أن الضفة الغربية دخلت مرحلة عقابية مفتوحة، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر الجمعة، مخيم الفارعة شمالي الضفة، في عملية عسكرية هي الثالثة خلال 72 ساعة، وسط تهجير قسري لعائلات فلسطينية، واعتداءات ممنهجة طالت المنازل والبنية التحتية. وهي سياسة توسّع دائرة التطهير الممنهج الذي تسير فيه تل أبيب منذ عامين تحت غطاء دولي وإقليمي، وبمباركة صمت السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، الذي يبدو وكأنه استقال تمامًا من مسؤولياته تجاه شعبه.

اقتحام واسع وتهجير قسري في مخيم الفارعة

شهود عيان أكدوا للأناضول أنّ قوات كبيرة من جيش الاحتلال حاصرت المخيم لساعات قبل أن تبدأ اقتحامًا منسقًا من عدة محاور، مستخدمة وحدات مشاة وجنودًا ملثمين اقتحموا الأزقة الضيقة ونفذوا عمليات مداهمة منزليّة دقيقة.

وبحسب شهادات السكان، فإن الجنود فرضوا حظرًا فعليًا على الحركة، إذ مُنعت العائلات من الخروج أو التنقل، بينما جرى تفتيش المنازل بطريقة مهينة، تخللها تكسير للأبواب والبحث عن “مطلوبين” وفق رواية الجيش.

وتحدث شهود عن إجبار عائلات كاملة على النزوح القسري من منازلها داخل المخيم، وهي ممارسة يعاقب عليها القانون الدولي باعتبارها “جريمة حرب”. أطفال ونساء اضطروا لمغادرة بيوتهم تحت تهديد السلاح، ما يفتح الباب أمام نمط جديد من “التطهير الصامت” الذي تسعى تل أبيب لتكريسه في مخيمات شمالي الضفة.

كما أشار شهود إلى أن طائرات مروحية إسرائيلية حلّقت على ارتفاع منخفض، فيما أطلقت طائرات أخرى الرصاص الحي من رشاشات مركبة، دون تسجيل أهداف محددة، في مشهد يراد منه خلق حالة ذعر وإرهاب للسكان.

طمّون.. دمار واسع وانسحاب بعد يومين من الترويع

وفي سياق متصل، انسحبت قوات الاحتلال من بلدة طمّون بعد يومين من عمليات التوغل التي حوّلت المنطقة الشرقية إلى مساحة من الخراب. السكان وصفوا المشهد بأنه أشبه بحملة انتقامية؛ شبكات مياه محطمة، طرق مدمرة، محولات كهرباء معطلة، وسيارات المواطنين مقلوبة أو مثقوبة بالرصاص.

وخلال الأيام الثلاثة الأخيرة، تعيش محافظة طوباس حالة حصار شاملة، حيث أغلقت قوات الاحتلال مداخل المحافظة، وفرضت قيودًا خانقة على تنقل المواطنين، بالتزامن مع تسجيل عشرات الإصابات جراء الاعتداء بالضرب والرصاص المطاطي، إضافة إلى عمليات احتجاز وإذلال على الحواجز.

جنين.. الاحتلال يعلن هدم 24 مبنى بذريعة “الخطر”

ولم يكن المشهد في جنين أقل قسوة؛ إذ أعلن جيش الاحتلال عزمه هدم 24 مبنى داخل مخيم جنين، بعد أن أخطرت “الإدارة المدنية” السكان مسبقًا. الاحتلال ادعى أن “وجود هذه المباني يشكل خطرًا على القوات الإسرائيلية”، وهو تبرير يعكس عقلية استعمارية تسعى لتوسيع المساحات الأمنية داخل المخيم وتفريغه تدريجيًا من سكانه.

تقارير ميدانية تشير إلى أن ما يجري ليس “إجراءً أمنيًا” بل هندسة للواقع الديموغرافي داخل المخيم، بهدف إضعاف بنيته المجتمعية وتجريف ما تبقى من بيوت تشكل ذاكرة المقاومة.

تصعيد شامل في الضفة منذ عامين.. وإبادة موازية في غزة

هذه التطورات تأتي في سياق حملة إسرائيلية ممتدة منذ أكثر من عامين على الضفة الغربية، تخللتها اغتيالات واعتقالات واسعة وفرض حصار على المدن والمخيمات، في موازاة حرب الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة منذ 8 أكتوبر 2023.

وبحسب إحصاءات رسمية فلسطينية:

  • 1083 شهيدًا في الضفة خلال العامين الماضيين
  • أكثر من 11 ألف مصاب
  • أكثر من 20 ألف معتقل
  • آلاف المنازل والمحال التي تعرضت للتدمير والاقتحام والتجريف

هذه الأرقام تكشف أن الضفة ليست “هامشًا” في السياسة الإسرائيلية، بل جزءًا أساسيًا من معركة السيطرة وإخضاع المجتمع الفلسطيني بالكامل.

صمت عباس.. خيانة أم شراكة؟

رغم هذا التصعيد الدموي، يواصل محمود عباس سياسة الصمت المريب، وكأنه منفصل تمامًا عمّا يجري في الضفة. لا بيانات، لا مواقف، لا تحركات دبلوماسية فاعلة، حتى التنسيق الأمني – الذي يُفترض أنه مجمّد – ما يزال قائمًا في صورته العملية.

الصمت هنا لم يعد مجرد غياب موقف، بل شراكة ضمنية في إتاحة المجال لجيش الاحتلال لتنفيذ سياساته دون خشية من ضغط داخلي أو موقف رسمي. فبينما تهدم إسرائيل المنازل وتقتل وتعتقل وتُهجّر الفلسطينيين، تواصل السلطة التركيز على إدارة شؤونها الداخلية ورواتب موظفيها، في مشهد يعكس انقطاعًا كاملًا عن نبض الشارع.

في الوقت الذي يُهجَّر فيه أهل الفارعة قسرًا وتُقصف طمّون وتُهدَّم منازل جنين، يكتفي عباس وسلطته بالبيانات المجوّفة. وهو ما يرى فيه مراقبون خيانة سياسية وأخلاقية، تساهم بشكل مباشر في تعزيز شهية الاحتلال للتوسع والتصعيد.

خاتمة

اقتحام الفارعة، تهجير العائلات، دمار طمّون، قرار هدم 24 مبنى في جنين… كلها حلقات في سلسلة واحدة تهدف إلى كسر إرادة الفلسطينيين في الضفة الغربية. لكن الأخطر من ذلك هو غياب القيادة الفلسطينية الرسمية، التي تخلت عن واجباتها وتركت شعبها تحت مقصلة الاحتلال.

ومع استمرار العدوان في غزة، وتوسع الهجمات في الضفة، تبدو إسرائيل ماضية في مشروعها بلا رادع، مدفوعة بصمت عربي، وصمت عباس، وصمت دولي، فيما يبقى الفلسطينيون وحدهم في مواجهة آلة إجرامية لا تعرف حدودًا.

اقرأ أيضا : “خطاب إبادة”: تقرير يوثق تطرف ميلاني فيليبس وتحريضها على حرب دائمة