في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وأمنية معًا، أعلن الاحتلال إدراج 29 شخصية تركية على ما سمّاه “القائمة السوداء”، ومنعهم من دخول فلسطين المحتلة عبر جميع المعابر التي يسيطر عليها. يتقدم هذه القائمة بلال أردوغان، نجل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى جانب شخصيات دينية وإغاثية وإعلامية وأكاديمية تركية بارزة. القرار، الصادر عن وزارة شؤون الشتات لدى الاحتلال، لا يمكن فصله عن سياق أوسع من المواجهة مع شبكات الدعم الإنساني والسياسي لغزة، ولا عن محاولة ترهيب الفاعلين المؤثرين في الرأي العام الدولي.

من الإغاثة إلى “نزع الشرعية”

برّر الاحتلال قراره بأن المدرجين “منخرطون في الدعوة لمقاطعة الاحتلال ونزع الشرعية عنه”، وهو توصيف فضفاض يُستخدم منذ سنوات لتجريم أي نشاط تضامني مع الفلسطينيين. وتشمل القائمة أسماء ذات ثقل، من بينها بولنت يلدريم رئيس هيئة الإغاثة الإنسانية IHH المرتبطة بسفينة “مافي مرمرة”، إضافة إلى علي أرباش الرئيس السابق للشؤون الدينية في تركيا. اختيار هذه الأسماء يكشف أن الاستهداف لا يقتصر على السياسيين، بل يمتد إلى الفضاء المدني والديني والإغاثي الذي شكّل خلال حرب غزة شبكة دعم فعّالة كسرت رواية الاحتلال.

لغة التحريض وتوصيف تركيا “دولة معادية”

لم يكتفِ الاحتلال بالإجراء الإداري، بل صعّد خطابه سياسيًا. إذ وصف وزير شؤون الشتات المتطرف عميحاي شيكلي تركيا بأنها “دولة معادية” وجزء من “محور الشر”. هذه اللغة، التي تعيد إنتاج قاموس التحريض، تعكس ضيقًا متزايدًا إزاء تنامي المقاطعة الشعبية والدبلوماسية، وتحوّل الدعم لغزة إلى حركة عابرة للحدود يصعب احتواؤها بالأدوات التقليدية.

سرية القوائم… ضغط لا إعلان

لفتت مواقع عبرية إلى أن الاحتلال أبقى القائمة كاملة طيّ السرية، في خطوة تهدف إلى ممارسة ضغط سياسي على أنقرة بدل الاكتفاء بإعلان رمزي. السرية هنا ليست تفصيلًا تقنيًا؛ بل أداة ابتزاز سياسي ورسالة ردع للفاعلين الأتراك مفادها أن “العقاب” قد يطال أي اسم يُشتبه بدعمه لغزة، دون مسار قضائي أو معايير شفافة.

الرد التركي: مسار قانوني ومحاسبة

يتقاطع هذا التصعيد مع تحركات قانونية تركية غير مسبوقة. فقد أصدرت النيابة العامة في إسطنبول، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، مذكرات اعتقال بحق 37 مسؤولًا في دولة الاحتلال، على رأسهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير الحرب يسرائيل كاتس، ورئيس الأركان إيال زامير، وقائد البحرية دافيد ساعر، والوزير المتطرف إيتمار بن غفير. البيان التركي وثّق نمطًا منهجيًا من الجرائم في غزة، من إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، وقتل واسع للمدنيين وتدمير للبنية التحتية الطبية.

غزة في صلب الاتهام

استحضرت النيابة التركية وقائع صادمة، أبرزها جريمة قتل الطفلة الشهيدة هند رجب بإطلاق مئات الرصاصات، ومجزرة المستشفى المعمداني التي راح ضحيتها نحو 500 فلسطيني، وتدمير المستشفيات والتخريب المتعمّد للقطاع الصحي، بما في ذلك قصف مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني. هذه الوقائع تُظهر أن قرار القوائم السوداء ليس سوى محاولة للتغطية على سجل إجرامي ثقيل، عبر تحويل الأنظار إلى “خطر” الدعم الإنساني بدل مواجهة الاتهامات.

سياسة العقاب الجماعي وازدواجية المعايير

يعكس الحظر منطق العقاب الجماعي ذاته الذي يُمارس على الأرض في غزة: تجريم التضامن، إسكات الشهود، ومعاقبة من يكسر الحصار. وفي الوقت الذي يروّج فيه الاحتلال لذاته كـ“دولة قانون”، يلجأ إلى قرارات إدارية مسيّسة، بلا شفافية أو حق اعتراض، ضد شخصيات مدنية خارج ولايته القضائية.

خلاصة: إجرامٌ بلا غطاء

إن توسيع القوائم السوداء ليشمل شخصيات تركية وازنة، بينهم نجل رئيس دولة، يؤكد أن الاحتلال يواجه أزمة شرعية عميقة. بدل الانخراط في مسار مساءلة حقيقي عن جرائمه في غزة، يختار التصعيد والتحريض وتصدير الأزمة. غير أن اتساع رقعة الدعم لغزة، والتحركات القانونية الدولية، يوحيان بأن سياسة الترهيب هذه لن تنجح في طمس حقيقة الإجرام، بل قد تعجّل بتعرية الاحتلال ومحاسبته.

اقرأ أيضًا : الأونروا: غزة أخطر بقاع الأرض على الصحفيين بسبب إجرام الاحتلال