في تكرار يومي لوجه الاحتلال العاري من الإنسانية، نفّذت قوات الجيش الإسرائيلي فجر اليوم الجمعة سلسلة اقتحامات واعتقالات واسعة في مناطق متفرقة من الضفة الغربية المحتلة، أسفرت عن اعتقال عدد من الفلسطينيين، بينهم شاب أُصيب بالرصاص الحي قبل أن يُعتقل ويُمنع من تلقي العلاج.

رصاص واعتقالات في نابلس: جريمة موثقة بالصمت

بدأت الحملة من مدينة نابلس، حيث اقتحمت قوات الاحتلال محيط المقبرة الغربية، وداهمت منزلًا فلسطينيًا تحت جنح الظلام. ووفق ما أفادت به وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”، فقد أطلقت القوات الإسرائيلية الرصاص الحي داخل الحي السكني، ما أدى إلى إصابة شاب بجروح قبل أن تعتقله. 

ووسط صرخات الأهالي ومحاولاتهم إسعاف المصاب، منعت قوات الاحتلال طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني من الوصول إلى المنزل، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر عرقلة العمل الطبي.

المشهد يتكرر دون أن يحرّك المجتمع الدولي ساكنًا، في ظل نهج إسرائيلي ثابت قائم على سياسة “القتل ثم الاعتقال”، والتي باتت علامة فارقة في تعامل الاحتلال مع الفلسطينيين، حتى في لحظات إصابتهم ونزفهم.

اقتحامات في بيت لحم وطولكرم وطوباس: حملة ممنهجة لترهيب السكان

وفي جنوب الضفة، شملت حملة الاعتقالات بلدات في محافظة بيت لحم، إذ داهمت قوات الاحتلال عددا من المنازل وقامت بتفتيشها وترويع قاطنيها، لا سيما النساء والأطفال. وفي شمال الضفة، طالت الاقتحامات مدنًا مثل طولكرم وطوباس، حيث سجّلت قرية المالح واحدة من أبشع صور التنكيل.

ففي هذه القرية الريفية الهادئة، لم تكتف قوات الاحتلال باعتقال 3 شبان فلسطينيين، بل قيدتهم وعصبت أعينهم، كما صرّح رئيس مجلس القرية مهدي دراغمة. كانت الذريعة أن هؤلاء تصدّوا لهجوم مستوطنين على القرية، لكن الواقع يكشف أن الجريمة الحقيقية ارتُكبت بحق السكان، بعدما قام المستوطنون أنفسهم بتخريب ممتلكات عامة وسرقة 350 رأس ماشية من القرية، دون أن تتحرك أي قوة لإيقافهم، بل حظوا بالحماية الكاملة من جنود الاحتلال.

هذا النمط يعكس التحالف العضوي بين الجيش والمستوطنين، حيث تحوّلت قوات الاحتلال من جهة “مزروعة قانونيا” في الأرض المحتلة إلى ميليشيا تحمي اللصوص وتعتقل الضحايا.

جنين وشوفة: تنكيل يومي وإذلال متعمد

في جنين، واصلت القوات الإسرائيلية استهدافها لبلدة يعبد، في عملية عسكرية ترافقت مع تحليق مكثف للطائرات المسيّرة، ما تسبب في حالة من الذعر لدى المدنيين. أما في قرية شوفة جنوب شرق طولكرم، فكانت الجريمة أكثر وضوحًا: اعتُقل مزارع فلسطيني أثناء مروره بموقع عسكري، وتم تقييده وضربه ومصادرة هاتفه ومستلزماته الزراعية، في مشهد يُظهر استخفاف الاحتلال الكامل بأبسط حقوق الإنسان.

هذه الإجراءات ليست حالات فردية، بل تُمثل سياسة ممنهجة لترهيب الفلسطينيين، وتجعل من حياة الناس اليومية في الضفة الغربية رحلة من الخوف والإهانة، تحت وطأة جيش لا يعترف بأي التزام قانوني أو أخلاقي.

الضفة.. ساحة إبادة موازية لغزة

وبينما تتجه أنظار العالم نحو المجازر التي تُرتكب في قطاع غزة منذ أشهر، تستغل حكومة الاحتلال الإسرائيلي هذا التركيز الإعلامي لتصعيد انتهاكاتها في الضفة الغربية، حيث سجّلت المؤسسات الحقوقية استشهاد أكثر من ألف فلسطيني، وإصابة نحو سبعة آلاف، في سلسلة اعتداءات ارتكبها الجنود والمستوطنون في مدن وبلدات الضفة، بما في ذلك القدس الشرقية.

هذه الأرقام لا تُعدّ فقط مؤشرات على حجم الجريمة، بل تفضح صمتًا دوليًا يشجّع إسرائيل على المضي في مشروعها التوسعي الاستعماري، من خلال تصفية الوجود الفلسطيني، سواء بالقصف أو بالقتل أو بالتهجير القسري أو بالسرقة والنهب المنظم.

جرائم بلا عقاب.. ومنظومة دولية منحازة

تتعامل سلطات الاحتلال مع الفلسطيني كهدف مشروع، سواء كان طفلًا في سريره أو مزارعًا في أرضه أو شابًا في طريقه إلى عمله. وفي كل مرة، تخرج البيانات الدولية بعبارات باردة تساوي بين الجلاد والضحية، في وقت تستمر فيه إسرائيل في استغلال الانحياز الغربي، والإفلات من العقاب.

ما يجري في الضفة ليس مجرد حملة اعتقالات عادية، بل هو فصل من فصول سياسة “الإبادة الصامتة”، حيث يتم تقويض المجتمع الفلسطيني من داخله، وإبقاء السكان في حالة دائمة من الخوف والتشظي، تمهيدًا لإخلاء الأرض وفرض السيطرة الكاملة عليها.

خاتمة: هل من ضوء في آخر النفق؟

في ظل ما يجري، لا يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي سيتوقف قريبًا عن جرائمه، ما لم يتغير ميزان الردع الدولي والمقاومة الشعبية. فالتجارب أثبتت أن الاحتلال لا يفهم إلا لغة الضغط، وأن الصمت عليه لا يزيده إلا شراسة.

وحتى يحدث ذلك، يبقى الفلسطيني أعزلَ في مواجهة آلة عنف لا تتوقف، بينما يقف العالم – كعادته – متفرجًا، وكأن شيئًا لا يحدث في الضفة الغربية.

اقرأ أيضًا : تصعيد الاحتلال في الضفة.. اقتحامات ومستوطنون يهددون بالترحيل