في محاولة واضحة لاحتواء تداعيات سياسية متصاعدة، خرج نبيل بن يعقوب الحمر، مستشار عاهل البحرين لشؤون الإعلام، لينفي ما تداولته وكالة الأنباء الفرنسية بشأن قيام المنامة، بالتنسيق مع دولة عربية، بوساطة لحل الأزمة بين السعودية والإمارات. واعتبر الحمر أن هذه التقارير “غير دقيقة” ولا تستند إلى مصادر رسمية، مؤكداً أن الزيارات المتبادلة بين مسؤولي دول الخليج تأتي في إطار برامج مجدولة تهدف إلى تعزيز التعاون الثنائي فقط.
غير أن هذا النفي الرسمي، الذي نُشر عبر وكالة الأنباء البحرينية، بدا أقرب إلى محاولة سياسية لاحتواء تسريبات محرجة، أكثر من كونه توضيحاً شفافاً للرأي العام الخليجي، خصوصاً في ظل تزامنه مع تحركات دبلوماسية مكثفة في المنطقة.

رواية “فرانس برس”… مصادر تتحدث بثقة
على النقيض من الخطاب البحريني، نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مصادر خليجية وإقليمية أن البحرين ومصر تعملان فعلياً على تخفيف التوتر بين الرياض وأبوظبي، بعدما وصلت الخلافات بينهما إلى ذروتها في نهاية عام 2025.
ووفق هذه المصادر، فإن المنامة تقود جهود وساطة “غير معلنة”، هدفها رأب الصدع وتقريب وجهات النظر بين الجانبين، في إطار مبادرة بحرينية منفصلة عن مؤسسات مجلس التعاون الخليجي. كما أشارت إلى دور مصري موازٍ في نقل الرسائل بين الطرفين، وتسهيل قنوات التواصل غير المباشرة.
هذا التناقض الصارخ بين الروايتين يطرح تساؤلات جوهرية حول دوافع النفي البحريني، وحدود الصدقية في الخطاب الرسمي.
جذور الخلاف: اليمن في قلب الأزمة
يعود أصل التوتر بين السعودية والإمارات إلى أواخر عام 2025، عندما اتهمت الرياض أبوظبي بدعم فصائل انفصالية جنوبية في اليمن، سيطرت لفترة وجيزة على مناطق قرب الحدود السعودية، ما اعتُبر تهديداً مباشراً للأمن القومي السعودي.
ومنذ ذلك الحين، دخلت العلاقات بين البلدين في مرحلة “البرود الاستراتيجي”، حيث توقفت اللقاءات رفيعة المستوى، وتراجع التنسيق السياسي، رغم عدم الوصول إلى قطيعة رسمية. هذا الواقع خلق فراغاً دبلوماسياً حاولت أطراف إقليمية ملأه، وعلى رأسها البحرين.
البحرين بين الوساطة والانحياز
رغم تقديم نفسها كطرف “محايد”، تشير المعطيات السياسية إلى أن البحرين لا تتحرك بمعزل عن التوازنات الخليجية، ولا عن ارتباطاتها الوثيقة بالإمارات. فخلال السنوات الماضية، بدت المنامة أقرب إلى أبوظبي في الملفات الإقليمية، سواء في اليمن أو ليبيا أو التطبيع أو التحالفات الأمنية.
من هذا المنطلق، يرى مراقبون أن ما تصفه البحرين بـ”زيارات مجدولة” قد يكون في الواقع جزءاً من تحرك سياسي منسق يهدف إلى حماية المصالح الإماراتية داخل المعسكر الخليجي، واحتواء غضب الرياض دون المساس بجوهر السياسات الإماراتية.
وبالتالي، فإن النفي البحريني لا يعني غياب الدور، بل يعكس رغبة في إدارته من خلف الستار، بعيداً عن الأضواء والضغوط الإعلامية.
تحركات مكثفة… ورسائل متبادلة
تعزز الشكوك حول الدور البحريني سلسلة اللقاءات التي جرت مؤخراً، أبرزها لقاء ولي عهد البحرين برئيس الوزراء مع ولي العهد السعودي في الرياض، ثم مع الرئيس الإماراتي في أبوظبي. كما سبقتها لقاءات سعودية مصرية في القاهرة، أعقبها اتصال مصري إماراتي.
هذا التزامن الزمني يصعب اعتباره محض صدفة دبلوماسية، بل يعكس وجود مسار تنسيقي إقليمي لإدارة الأزمة، تكون البحرين إحدى حلقاته الأساسية، سواء اعترفت بذلك أم لا.
لماذا تنفي البحرين؟
يمكن قراءة النفي البحريني في سياق ثلاثة اعتبارات رئيسية:
أولاً، الخشية من إغضاب السعودية، التي قد ترى في أي وساطة غير معلنة تدخلاً غير مرغوب فيه.
ثانياً، تجنب الظهور كطرف منحاز للإمارات، في وقت تسعى فيه المنامة للحفاظ على علاقات مستقرة مع الرياض.
ثالثاً، محاولة تفادي تحميلها مسؤولية فشل محتمل لأي مساعٍ دبلوماسية، في حال تعثرت الجهود.
بمعنى آخر، تسعى البحرين للعب دور “الوسيط الصامت”، الذي يتحرك في الكواليس دون تحمل الكلفة السياسية العلنية.
دور خبيث أم براغماتية سياسية؟
في ضوء هذه المعطيات، يذهب منتقدو السياسة البحرينية إلى اعتبار تحركات المنامة جزءاً من “دور خبيث” يهدف إلى ترجيح كفة أبوظبي داخل المعادلة الخليجية، مع الحفاظ على غطاء شكلي من الحياد.
ويرى هؤلاء أن البحرين لم تعد فاعلاً مستقلاً في سياساتها الخارجية، بل تعمل ضمن محور سياسي تقوده الإمارات، وتستخدم خطاب الوساطة كأداة لإعادة تدوير النفوذ، لا لحل جذري للأزمات.
في المقابل، يصف أنصار السياسة البحرينية هذا السلوك بالبراغماتية، ومحاولة منع تفكك البيت الخليجي بأي وسيلة ممكنة، حتى لو تطلب الأمر العمل بعيداً عن الأضواء.
أزمة أعمق من وساطة
في النهاية، تكشف قضية الوساطة المنفية عن أزمة أعمق داخل منظومة الخليج، تتمثل في تآكل الثقة، وتضارب المصالح، وتراجع العمل الجماعي لصالح المحاور الثنائية.
وبين نفي رسمي وتسريبات إعلامية، تبقى الحقيقة الأبرز أن البحرين ليست مجرد مراقب محايد، بل لاعب نشط في إدارة الأزمة، حتى وإن حاولت إنكار ذلك. فالدبلوماسية الخفية قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من التصريحات العلنية، لكنها في الوقت نفسه أكثر خطورة على استقرار المنطقة.
اقرأ أيضًا : بإيعاز من الإمارات ولوبياتها.. غراهام يهاجم محمد بن سلمان ويدعوه لوقف التصعيد ضد أبوظبي