حذّر مصطفى البرغوثي، الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، من أن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة باتت “على كف عفريت”، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية، وتصاعد الانتهاكات بحق المدنيين، ومنع إدخال المساعدات الإنسانية، ما يجعل الوضع قابلاً للانفجار في أي لحظة.

وفي مقابلة  أكد البرغوثي أن ما يجري على الأرض يعكس غياب أي التزام حقيقي من جانب الاحتلال ببنود الاتفاق، محمّلًا المجتمع الدولي مسؤولية صمته، الذي شجّع إسرائيل على التمادي في سياساتها القمعية، وتحويل التهدئة إلى هدنة هشة بلا ضمانات.

معبر رفح.. فتح شكلي وحصار متواصل

أوضح البرغوثي أن فتح معبر رفح لم يتجاوز الإطار النظري، حيث تفرض سلطات الاحتلال قيودًا صارمة على أعداد المسافرين، سواء الخارجين من القطاع أو العائدين إليه، بنسب لا تتناسب مع حجم الاحتياجات الإنسانية والطبية.

وأشار إلى أن المعدلات الحالية لا تسمح إلا بخروج عشرات الأشخاص يوميًا، في وقت يعاني فيه آلاف المرضى والجرحى، خصوصًا مرضى السرطان وأصحاب الإصابات الخطيرة، من خطر الموت بسبب منعهم من السفر للعلاج. ولفت إلى أن بعض الأيام لم يدخل فيها سوى عدد محدود جدًا من المسافرين، في مؤشر واضح على سياسة التضييق المنهجي.

كما تحدث عن ما وصفه بـ”معابر الإذلال”، حيث يُجبر المواطنون على قضاء أكثر من 24 ساعة في التنقل بين نقاط تفتيش متعددة، وسط تعرض بعضهم للتنكيل أو الاعتقال، ما يحوّل السفر إلى رحلة معاناة إضافية فوق المأساة القائمة.

هشاشة الاتفاق وغياب الضغوط الدولية

اعتبر البرغوثي أن جوهر الأزمة يكمن في غياب أي ضغوط دولية حقيقية تُلزم إسرائيل بتنفيذ تعهداتها، مؤكدًا أن وقف إطلاق النار قائم عمليًا من طرف واحد، هو الطرف الفلسطيني، بينما تواصل إسرائيل عمليات القصف والاغتيال والخطف.

وأشار إلى سقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى منذ الإعلان عن التهدئة، ما ينسف الرواية الإسرائيلية حول “الالتزام بالهدوء”. كما أكد أن ما تسمح إسرائيل بإدخاله من مساعدات لا يتجاوز نصف الكميات المتفق عليها، فضلًا عن منع المعدات الطبية والأجهزة الضرورية لإعادة تشغيل المنظومة الصحية.

وفي هذا السياق، حمّل البرغوثي الإدارة الأمريكية مسؤولية خاصة، معتبرًا أن صمتها يمثل غطاءً سياسيًا للانتهاكات الإسرائيلية، ويمنح حكومة الاحتلال هامشًا واسعًا لمواصلة جرائمها دون محاسبة.

حسابات نتنياهو وإشعال التوتر

ربط البرغوثي بين التصعيد الإسرائيلي والأزمات السياسية الداخلية التي يعيشها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، مشيرًا إلى أن الأخير يسعى لاستخدام الحرب كأداة للهروب من أزماته الانتخابية وقضايا الفساد التي تلاحقه.

وأوضح أن فشل إسرائيل في تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في تهجير سكان غزة دفعها إلى اعتماد سياسة “التوتير الدائم”، عبر خلق ظروف إنسانية قاسية تدفع السكان إلى اليأس، على أمل فرض واقع جديد يخدم المشروع الاستيطاني.

وأكد أن هذا النهج لا يهدد فقط اتفاق وقف إطلاق النار، بل ينذر بانفجار شامل قد يعيد القطاع إلى مربع الحرب المفتوحة، بكل ما تحمله من كلفة بشرية ومادية هائلة.

رفض الوصاية الخارجية وترتيبات الفصل

شدّد البرغوثي على أن غزة ليست بحاجة إلى إدارة أجنبية، عربية كانت أم دولية، مؤكدًا أن الفلسطينيين وحدهم قادرون على إدارة شؤونهم وإعادة إعمار قطاعهم. وحذّر من أي ترتيبات تهدف إلى فصل غزة عن الضفة الغربية، باعتبارها خطوة تمهيدية لتصفية مشروع الدولة الفلسطينية.

وفي هذا الإطار، اعتبر أن أي مشاريع إعمار جزئية أو محصورة في مناطق محددة، خصوصًا في ظل استمرار الاحتلال، تمثل محاولة لإعادة إنتاج السيطرة الإسرائيلية بوسائل غير مباشرة، عبر وكلاء محليين أو أطر دولية.

إعادة الإعمار بين الاحتلال والابتزاز السياسي

توقف البرغوثي عند ملف إعادة الإعمار، مؤكدًا أن أي عملية جدية يجب أن تشمل كل قطاع غزة، وأن تبدأ من المناطق الأكثر تضررًا، مثل مدينة غزة وخان يونس، لا من مناطق خالية أو خاضعة لسيطرة الاحتلال.

وأشار إلى أن الحديث عن الإعمار في ظل بقاء الجيش الإسرائيلي أو المجموعات العميلة هو ضرب من الوهم، لأن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تقوم تحت فوهة البندقية أو في ظل الابتزاز السياسي والأمني.

مستقبل غامض ومسؤولية فلسطينية

في ختام تصريحاته، دعا البرغوثي إلى توحيد الصف الفلسطيني، وإعادة بناء المشروع الوطني على أساس ديمقراطي جامع، معتبرًا أن الانقسام الداخلي يسهّل على الاحتلال تمرير مخططاته.

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية وطنية واضحة، تقوم على دعم صمود الناس، ورفض كل أشكال الوصاية، والتمسك بحق تقرير المصير، محذرًا من أن استمرار الوضع الراهن سيقود إلى انهيار الاتفاق، وعودة شبح الحرب، ما لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل جاد وفاعل.

وبين هشاشة التهدئة، وانسداد الأفق السياسي، واستمرار المعاناة الإنسانية، تبدو غزة اليوم أمام مفترق طرق خطير، حيث لم يعد مصير المرحلة الثانية مرتبطًا فقط بالتفاهمات المكتوبة، بل بميزان الإرادة السياسية، والقدرة على كسر دائرة الإفلات من العقاب.

اقرأ أيضًا : السعودية تُدين هجمات ميليشيا الدعم السريع الإماراتية وتُحذّر من تدخلات السلاح والمرتزقة في السودان