في تحول إستراتيجي حاسم يعيد رسم توازنات التعاطي الدولي مع الملف السوداني، أصدر البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة قراراً عاجلاً بشأن الحصار المفروض على مدينة “الأبيّض” عاصمة ولاية شمال كردفان، واضعاً دولة الإمارات العربية المتحدة لأول مرة وبشكل علني ومكتوب تحت طائلة الإدانة الدولية المباشرة لدعمها العسكري والمالي لميليشيا الدعم السريع.

هذا القرار يتجاوز كونه مجرد تعبير عن “القلق الإنساني”؛ إذ يمثل تحولاً جذرياً في الموقف الأوروبي الذي طالما ناور خلف صياغات فضفاضة مثل “إدانة التدخلات الخارجية”. اليوم، يواجه النظام الإماراتي مواجهة حقوقية وسياسية مفتوحة مع الاتحاد الأوروبي، ما يمهد لعزل شبكاتها اللوجستية وتعرية غطائها الدبلوماسي في القارة العجوز.

يمكن تفكيك هذا القرار التاريخي وأبعاده التحليلية عبر المحاور التالية:

1. حصار الأبيّض وتصنيف الدعم السريع كـ “منظمة إرهابية”

جاء التحرك الأوروبي مدفوعاً بالتقارير الاستخباراتية والأممية التي تحذر من مجازر وشيكة وتطهير عرقي في مدينة الأبيّض، شبيهة بتلك التي شهدتها الفاشر. وأدان نواب البرلمان الأوروبي بأشد العبارات جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها الميليشيا، بما في ذلك القصف الممنهج بقذائف المسيرات الذي استهدف محطات الكهرباء، الوقود، والأسواق الرئيسية لتجويع وتركيع المدنيين.

إلا أن الضربة السياسية الأبرز للميليشيا تمثلت في مطالبة البرلمان الأوروبي رسمياً للاتحاد الأوروبي بإدراج قوات الدعم السريع على قوائم المنظمات الإرهابية. هذا التحول القانوني يضيق الخناق كلياً على قادة الميليشيا وحلفائهم، ويمنع أي محاولات مستقبلية لمنحهم اعترافاً سياسياً كطرف موازٍ للدولة السودانية الرسمية.

2. تسمية الإمارات علناً: انهيار جدار “الصمس المدفوع”

لسنوات، نجحت أبوظبي عبر استثماراتها ونفوذها المالي في الضغط على العواصم الغربية لشراء صمتها تجاه تهريب السلاح المقنن للميليشيات؛ لكن نص القرار الحالي نسف هذه الإستراتيجية كلياً. وجاء النص الأوروبي واضحاً وصريحاً بـ:

“إدانة كافة التدخلات الخارجية التي تغذي الحرب، وحث جميع الدول، بما في ذلك دولة الإمارات العربية المتحدة، على الوقف الفوري لتمويل قوات الدعم السريع، أو تزويدها بالسلاح، أو تقديم أي دعم آخر لها”.

هذا التفصيل المباشر بالاسم ينهي مرحلة المناورات الدبلوماسية، ويضع أبوظبي أمام مسؤولية دولية جنائية وسياسية مباشرة عن الفظائع المرتكبة بأسلحتها.

3. ملاحقة “المرتزقة” وشبكات الإجرام المالي التابعة لأبوظبي

لم يكتفِ البرلمان الأوروبي بالإدانة السياسية، بل طالب المجلس الأوروبي وهيئة العمل الخارجي (EEAS) بتفعيل آليات العقوبات الاقتصادية والقانونية ضد الأفراد والكيانات والمسهلين الخارجيين الذين يسهلون تدفق الموت إلى السودان.

وخص القرار بالذكر شركة الأمن الخاصة “Global Security Services Group” ومقرها أبوظبي، لخرقها الصارخ لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة. وتستند هذه التسمية المباشرة إلى تحقيقات دولية أثبتت تورط هذه الشركة التابعة لمتنفذين إماراتيين في تجنيد مرتزقة من كولومبيا وتدريبهم داخل منشآت الجيش الإماراتي قبل زجهم في معارك ريف الفاشر وشمال كردفان.

4. كسر حلقة الإفلات من العقاب وحظر بيع السلاح لأبوظبي

البُعد الإستراتيجي الأكثر خطورة في هذا القرار هو التوصية بالعمل مع مجلس الأمن الدولي لتوسيع نطاق حظر الأسلحة ليشمل كافة الأراضي السودانية بدلاً من دارفور فقط، مع ملاحقة الجناة دولياً عبر المطالبة بتوسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية (ICC).

وتشير أروقة البرلمان الأوروبي إلى أن الخطوة التالية الجاري مناقشتها حالياً هي فرض حظر أوروبي شامل على بيع الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية لدولة الإمارات العربية المتحدة، نظراً لثبوت إعادة تصديرها دون تراخيص إلى ميليشيا الجنجويد، وهو ما يهدد بقطع إمدادات التسلح الغربي عن أبوظبي.

يمثل هذا القرار انتكاسة تاريخية للمشروع الإماراتي في السودان وسقوطاً مدوياً لسياسة “شراء المواقف” بالمال والذهب. بصدور هذا القرار، يتحول ملف الدعم الإماراتي للدعم السريع من دائرة الاتهامات الإعلامية إلى وثيقة قانونية رسمية وموجبة للعقوبات في الاتحاد الأوروبي. ومع تزايد الضغوط القضائية في لاهاي والسياسية في بروكسل، تجد أبوظبي نفسها في مواجهة مباشرة مع عزلة دولية خانقة، تُثبت أن دماء ومقدرات الشعب السوداني لم تعد وقوداً رخيصاً لأطماع جيوسياسية مشبوهة.