كشف رئيس مجلس السيادة السوداني والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، عن مواجهة مباشرة مع دولة الإمارات خلال اجتماعات «الرباعية» التي عُقدت في الولايات المتحدة، مؤكدًا أن الوفد الإماراتي عجز عن الرد على أدلة قُدِّمت بشأن دور أبوظبي في الأزمة السودانية. تصريحات البرهان، التي أطلقها من العاصمة التركية أنقرة، تمثل تصعيدًا سياسيًا واضحًا في خطاب الخرطوم تجاه الإمارات، لكنها لا تُعد بداية اتهام بقدر ما تعكس انتقالًا إلى مرحلة مواجهة مكشوفة بعد استنفاد قنوات الاحتواء الدبلوماسي.

البرهان كان قد اتهم الإمارات في مناسبات سابقة بدعم ميليشيا الدعم السريع، إلا أن تصريحاته الأخيرة تشير إلى سعيه لنقل الملف من مستوى السجال الإعلامي إلى مستوى نزاع سياسي قابل للتدويل. فالخرطوم، وفق هذا الخطاب، لم تعد تكتفي بالتلميح أو التحذير، بل تعمل على نزع الغطاء الدبلوماسي عن أي دور إماراتي في مسار التسوية، وفضح ما تعتبره ازدواجية في المواقف بين الدعم العسكري من الخلف، ومحاولات لعب دور الوسيط في الواجهة.

في كلمته، تعمّد البرهان إسقاط صفة «الوسيط» عن الإمارات، وأبدى رفضًا صريحًا لأي وساطة تصدر عن طرف يراه داعمًا عسكريًا لميليشيا تقاتل الدولة السودانية. بهذا الموقف، ينسف البرهان جوهر الاستراتيجية الإماراتية التي قامت على الجمع بين إدارة الصراع عبر وكلاء إقليميين، والسعي في الوقت ذاته إلى الظهور كراعٍ للحل السياسي. الرسالة التي أراد إيصالها واضحة: الخرطوم لن تقبل بأي ترتيبات سياسية تُدار أو تُصاغ من عواصم متهمة بإطالة أمد الحرب.

كما شدد البرهان على رفض أي هدنة أو وقف لإطلاق النار ما دام وجود الدعم السريع المسلح قائمًا داخل الأراضي السودانية، معتبرًا نزع سلاح الميليشيا شرطًا تأسيسيًا لأي تسوية سياسية. وربط بين تمدد قدرات الدعم السريع ومسارات دعم لوجستي إقليمية عبر ليبيا وتشاد، في إشارة إلى شبكة إمداد يرى أنها غيّرت ميزان القوة وأطالت أمد النزاع منذ اندلاعه في أبريل 2023.

رسالة التحدي التي وجّهها البرهان لحلفاء الدعم السريع في الخارج — «السودان مفتوح للجميع… تعالوا إن استطعتم» — جاءت بلغة ردع سياسية وأمنية في آن واحد. مضمونها أن الدولة السودانية لم تعد تقبل بإدارة الحرب بالوكالة، وأنها مستعدة لمواجهة الضغوط الخارجية، ليس فقط عبر التصعيد الخطابي، بل عبر بناء مسار سياسي وأمني بديل يستند إلى سيادة الدولة ورفض الإملاءات.

دلالة أنقرة: البرهان ليس معزولًا

لا تقل أهمية مكان التصريح عن مضمونه. اختيار أنقرة منصة لإطلاق هذا الخطاب لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل يحمل دلالات سياسية واضحة. فأنقرة، التي تشهد في الأشهر الأخيرة تقاطعًا متزايدًا مع مواقف إقليمية منتقدة للدور الإماراتي، منحت البرهان مساحة لإيصال رسالته من عاصمة إقليمية وازنة، في وقت تتقلص فيه قدرة أبوظبي على فرض نفسها كفاعل مقبول في الملف السوداني.

تصريحات البرهان من أنقرة تعكس أن الخرطوم لم تعد تتحرك من موقع العزلة، بل من موقع إعادة التموضع وبناء شبكات دعم سياسية خارج دائرة النفوذ الإماراتي. في المقابل، يظهر الدور الإماراتي اليوم أكثر انكشافًا، خاصة في ظل تقارير دولية متزايدة عن تورط أبوظبي في تسليح الدعم السريع، وتحذيرات متكررة من أن هذا الدور ساهم في إطالة أمد الحرب وتعميق الكارثة الإنسانية.

بهذا المعنى، تكشف تصريحات البرهان عن مفارقة لافتة: بينما ينجح السودان في كسر طوق العزلة السياسية وبناء مساحات خطاب وتحالف بديلة، تجد الإمارات نفسها في موقع دفاعي متراجع، مع تآكل قدرتها على تسويق نفسها كوسيط محايد في نزاع باتت بصماتها فيه موضع اتهام علني.