في أول ظهور له بعد سقوط مدينة الفاشر بيد قوات الدعم السريع، خرج رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بخطاب متلفز حاول من خلاله طمأنة السودانيين وتبرير انسحاب قواته من المدينة. وقال البرهان إن “الانسحاب من الفاشر كان قراراً تكتيكياً فرضته الظروف الميدانية بعد تدمير ممنهج تعرضت له المدينة ومواقع الجيش”، مؤكداً أن “القوات المسلحة قادرة على قلب الطاولة واستعادة الأراضي”.

تصريحات البرهان جاءت في وقت حرج، إذ تُعد الفاشر آخر معاقل الجيش في إقليم دارفور، وسقوطها يعني سيطرة قوات الدعم السريع على الإقليم بأكمله، وتقسيم السودان فعلياً إلى منطقتين: شرق يخضع للجيش وغرب تحت سلطة الدعم السريع. ورغم أن البرهان تحدث بثقة عن “القدرة على النصر”، فإن مراقبين اعتبروا كلمته إقراراً بخسارة ميدانية كبرى وفشلاً في حماية مركز استراتيجي ظل صامداً لأكثر من عام أمام حصار خانق.

جرائم ممنهجة ودور إماراتي مشبوه

بالتوازي مع تصريحات البرهان، تتزايد الاتهامات الدولية والإقليمية لدولة الإمارات بلعب دور محوري في تسليح وتمويل قوات الدعم السريع. فوفقاً لتقارير عدة قدمت أمام مجلس الأمن الدولي، استخدمت أبوظبي ممرات لوجستية في تشاد وأفريقيا الوسطى لإرسال الأسلحة والذخائر إلى قوات محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في انتهاك صارخ لحظر السلاح المفروض على السودان.

وقد رُصدت طائرات شحن إماراتية تهبط في مطارات نائية قرب الحدود السودانية، تحمل معدات عسكرية بينها طائرات مسيّرة ومدرعات. وتؤكد مصادر استخباراتية غربية أن هذا الدعم الإماراتي ساهم في ترجيح كفة قوات الدعم السريع في معارك دارفور، وخصوصاً في الفاشر، حيث ارتُكبت مجازر مروعة ضد المدنيين خلال الأيام الماضية.

وتشير صور الأقمار الصناعية التي حللتها وكالات أممية إلى وجود مقابر جماعية وحرق لمنازل ومرافق طبية، ما يعزز الاتهامات بأن الدعم السريع نفّذت عمليات تطهير عرقي في المدينة، على غرار ما حدث في الجنينة العام الماضي. هذه الجرائم، بحسب مراقبين، لم تكن لتحدث بهذا الحجم لولا الإمدادات العسكرية والمالية التي وفرتها أبوظبي لتلك المليشيات مقابل نفوذ اقتصادي متزايد في السودان ومنطقة الساحل.

البرهان بين الضغط العسكري والعزلة السياسية

يحاول البرهان، من خلال خطابه الأخير، الظهور بمظهر القائد الصلب القادر على إعادة التوازن، لكنه يواجه واقعاً شديد التعقيد. فالقوات المسلحة باتت مشتتة بين جبهات متعددة، تعاني من ضعف الإمداد وغياب الغطاء الجوي بعد سيطرة الدعم السريع على مطارات عدة في الغرب. كما يعاني البرهان من عزلة دبلوماسية متنامية، بعد فشل المبادرات الأفريقية والعربية في تحقيق اختراق سياسي حقيقي.

ويرى محللون أن البرهان يحاول اللعب على وتر “المظلومية الوطنية”، متهماً جهات خارجية بدعم المليشيات لتمزيق السودان، في مسعى لاستعادة الزخم الشعبي الذي خسره بسبب طول أمد الحرب. إلا أن هذا الخطاب لم يعد يقنع كثيراً من السودانيين الذين يعيشون أوضاعاً إنسانية كارثية، إذ تجاوز عدد النازحين 15 مليوناً، فيما يعاني ربع السكان من الجوع الحاد وانعدام الأمن الغذائي.

تحذيرات دولية ومطالب بهدنة إنسانية

في ظل الانهيار المتسارع في دارفور، طالبت المنسقة الأممية للشؤون الإنسانية في السودان، كليمنتين نكويتا سالامي، قوات الدعم السريع بفتح ممرات آمنة لوصول المساعدات إلى المدنيين في الفاشر، مؤكدة أن المدينة أصبحت “غير صالحة للحياة”.

كما دعا مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا، مايك هامر، إلى هدنة إنسانية تمتد ثلاثة أشهر، مشدداً على ضرورة السماح بوصول الإغاثة إلى مئات الآلاف من المحاصرين. لكن المؤشرات الميدانية لا توحي باستجابة وشيكة، إذ يصر حميدتي على استكمال السيطرة على بقية مواقع الجيش غرب البلاد، بينما يهدد البرهان بـ”تطهير السودان من المرتزقة والاقتصاص للشهداء”.

ويخشى مراقبون من أن يؤدي هذا التصعيد المتبادل إلى اتساع رقعة النزاع نحو كردفان وولايات الشرق، ما يعني دخول السودان في مرحلة تفكك جغرافي فعلي، خاصة في ظل صمت إقليمي يقترب من التواطؤ.

نهاية مفتوحة لحرب عبثية

منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023، فشلت كل الوساطات في إيقافها، من مبادرة جدة إلى مساعي الاتحاد الأفريقي والإيغاد، فيما تحوّل السودان إلى ساحة صراع إقليمي بين محاور متنافسة. وتكشف التطورات الأخيرة في الفاشر عن عمق هذا الصراع، حيث يبدو أن الدعم السريع –المسنود من أبوظبي وحلفائها– يسعى إلى فرض واقع جديد يقسم البلاد إلى كانتونات متناحرة.

أما البرهان، فيحاول إعادة تعبئة الجيش عبر خطاب تعبوي يتحدث عن “الثأر للشهداء” و”تطهير الوطن”، لكن المراقبين يرون أن استعادة الفاشر باتت شبه مستحيلة من دون تحرك دولي لوقف الدعم الخارجي للمليشيات.

وبينما يستمر سقوط المدن والقرى الواحدة تلو الأخرى، تبقى مأساة المدنيين أكبر من أن تُختزل في بيانات وتصريحات. فالسودان اليوم يعيش أسوأ كارثة إنسانية في تاريخه الحديث، عنوانها الفوضى والتجويع والتقسيم، وجوهرها طموحات إقليمية على أنقاض وطن يتهاوى — وسط صمت العالم وتواطؤ العواصم التي تحرك خيوط الحرب من خلف الستار، وفي مقدمتها أبوظبي.

اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال ضد الصحافة.. إسرائيل تواصل منع دخول الصحفيين إلى غزة رغم الضغوط الدولية