في رسالة مسرّبة من زنزانة موصدة في سجن بدر 3 سيئ السمعة، أعلن الدكتور محمد البلتاجي، النائب السابق في البرلمان المصري، استمراره في الإضراب المفتوح عن الطعام منذ الأول من يوليو الجاري، احتجاجًا على ما وصفه بـ”الظلم والتنكيل غير المسبوق”، قائلًا بوضوح: “الموت أهون مما نحن فيه”.

الرسالة، التي نشرتها زوجته سناء عبد الجواد، كشفت واقعًا مروعًا عن ظروف الاحتجاز التي يواجهها البلتاجي منذ 12 عامًا، ولا سيما السنوات الثماني الأخيرة التي قضاها في عزلة تامة، داخل زنزانة مغلقة 24 ساعة يوميًا، بلا شمس، بلا هواء نقي، بلا تواصل مع العالم الخارجي. لا يُسمح له بالزيارة، أو حتى بكتابة رسالة لعائلته، ولا يُبلّغ بوفاة أقاربه إلا بعد سنوات، إن علم أصلًا.

البلتاجي، الذي يُعد أحد أبرز وجوه ثورة 25 يناير وقياداتها السياسية، يخوض هذه المعركة الجسدية الأخيرة بأمعائه الخاوية، بعد أن انسدت سبل الإنصاف والعدالة. يقول في رسالته: “لقد تحملنا ما لا يتحمله بشر، ولم يعد ممكنًا تحمل المزيد”، مؤكدًا أنه سيواصل الإضراب حتى الموت أو تحسن الأوضاع.

 

سجن بدر 3.. جحيم جديد في ظل السيسي

منذ افتتاحه، يوصف سجن بدر 3 بأنه “قبر جماعي للمعارضين”، حيث يجري فيه تطبيق سياسة العزل الكامل والإهمال الصحي، وسط شهادات متعددة عن تعذيب نفسي ممنهج ومعاملة “لاإنسانية”. يشبهه حقوقيون بسجن غوانتانامو، لكن “من دون إعلام أو رقابة دولية”.

البلتاجي لم يكن الوحيد الذي تحدث عن الجحيم الذي يعيش فيه داخل هذا المعتقل. فقد سبقته منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية إلى التحذير من الظروف المأساوية للسجناء السياسيين في مصر، خاصة داخل مجمع بدر الذي يضم الآلاف ممن اعتقلوا منذ انقلاب يوليو 2013.

في رسالته، يؤكد البلتاجي أن ما يتعرض له من عذاب لا يوجد له مثيل “حتى في دولة الاحتلال الإسرائيلي”، في إشارة إلى وحشية غير مسبوقة لم يشهدها حتى السجناء في أسوأ نظم القمع.

ويقول: “منذ 8 سنوات لم أرَ أمي ولا زوجتي ولا أولادي، لم أستلم رسالة، لم أسمع صوتًا. نحن هنا محكوم علينا بالنسيان والموت البطيء. هذا ليس سجنًا، هذا قبر في زمن الديكتاتورية.”

انتقام سياسي ممنهج: “ذنبنا أننا قُدنا الثورة”

ربط البلتاجي بوضوح بين ما يتعرض له من تنكيل، وبين مواقفه السياسية ودوره في ثورة 25 يناير، ثم معارضته الصريحة للانقلاب العسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي عام 2013. ويقول: “كل هذا العذاب ليس إلا انتقامًا من اشتراكنا في قيادة الثورة ورفض الانقلاب على التجربة الديمقراطية الوليدة.”

ويضيف أن المئات ممن يُزجّ بهم في نفس المعاناة لا يقلّون شأنًا أو دورًا: وزراء سابقون، محافظون، نواب، أساتذة جامعات، وقادة سياسيون وثوريون، جميعهم يتعرضون لنفس العقوبة الجماعية التي تبدأ بالعزل ولا تنتهي بالتجويع أو الموت الغامض.

هذا الخطاب، الذي أتى في وقت تعاني فيه مصر من انتقادات حقوقية متزايدة، يمثل وثيقة جديدة تُضاف إلى ملف نظام السيسي الثقيل في ممارسات القمع السياسي، خاصة مع تصاعد الحديث عن وفاة سجناء سابقين بسبب الإهمال، أبرزهم الرئيس الراحل محمد مرسي.

أين العالم من هذه الجريمة؟

في ختام رسالته، يوجه البلتاجي نداءً صريحًا لأحرار العالم: “ارفعوا أصواتكم لوقف هذا الظلم، والقهر، والطغيان”. ويضع المجتمع الدولي، ومنظمات حقوق الإنسان، أمام مسؤولياتهم تجاه ممارسات “الدفن الحي” التي يتعرض لها المعارضون في مصر.

لكنّ الصمت لا يزال يخيّم على الساحة الدولية، رغم كل الأدلة، وكأن مصر باتت منطقة خارج نطاق العدالة، محصنة بتحالفات سياسية واقتصادية مع قوى كبرى تضع مصالحها فوق كرامة الإنسان.

أما في الداخل المصري، فلا صوت يعلو فوق صوت القمع، مع انعدام الأمل في مساءلة عادلة أو تحقيق شفاف أو محاسبة لمن تسببوا في تحويل السجون إلى غرف إعدام مؤجلة.

خاتمة: معركة الأمعاء الخاوية في وجه الديكتاتورية

إضراب البلتاجي، ليس مجرد قرار فردي بالامتناع عن الطعام، بل هو إعلان صريح عن مواجهة أخيرة بين من تمسكوا بثورة يناير وكرامة الإنسان، وبين من اختاروا دفن المعارضين أحياء.

في زمن تُستخدم فيه السجون أدوات لتصفية الخصوم السياسيين، تُصبح رسالة مثل هذه وثيقة نادرة، تشهد على الجرائم التي لا تموت بالتقادم. فهل من مجيب؟ أم أن موت البلتاجي هو ما سينقله من زنزانة معزولة إلى ضمير العالم؟

اقرأ أيضًا : الإمارات والمرتزقة وراء الفوضى.. والشرطة السودانية تؤكد تراجع النهب المسلح في الخرطوم