نشرت صحيفة “التايمز” البريطانية تقريرًا خطيرًا يكشف عن خريطة مسرّبة لخطة عسكرية إسرائيلية تهدف إلى فرض تقسيم قسري على قطاع غزة، في حال فشل محادثات وقف إطلاق النار الجارية مع حركة حماس. الخطة، التي اطّلع عليها دبلوماسيون وشركات دولية مكلفة بإدارة المساعدات، تُظهر نية الاحتلال لإجبار الفلسطينيين على العيش داخل ثلاثة شرائط سكانية ضيقة مفصولة بأربع مناطق عسكرية مغلقة بالكامل لصالح قوات الاحتلال، في انتهاك صارخ لكل مبادئ القانون الدولي والحق في التنقل والعيش الكريم.

الخطة تحمل عنوان “المرحلة الثالثة: السيطرة الكاملة على غزة”، وتُعد امتدادًا مباشرًا للهجوم الجديد الذي أطلقه جيش الاحتلال تحت اسم “مركبات جدعون”، والذي أعلن أنه يهدف إلى السيطرة الكاملة على القطاع. الخريطة المسرّبة توضح أن الفلسطينيين سيُمنعون من التنقل بين هذه الأقسام دون إذن مسبق، كما سيُفرض عليهم نظام مراقبة مشدد باستخدام بطاقات تعريفية أو رموز مشفّرة للبضائع، في محاولة لتحويل القطاع إلى شبكة معازل محاصرة تحكمها الجدران والمجسات والبوابات العسكرية.

بحسب الصحيفة، فإن المناطق العسكرية ستُنشأ في شمال ووسط وجنوب القطاع، مع شريط جديد يُبنى حاليًا بين رفح والمناطق الوسطى، على أن يتم تجريف الأرض بالكامل لبناء بنية تحتية عسكرية دائمة تفصل السكان عن بعضهم، والمنطقة الشمالية فوق بيت لاهيا وبيت حانون ستتوسع أيضًا لتضم طرقًا جديدة ومراكز لتجمع قوات الاحتلال. كما تُظهر الخريطة محيطًا أبيض واسعًا يمثل توسعة منطقة العزل الأمنية المحيطة بكامل القطاع، بما يعني عمليًا مضاعفة الحصار وتقطيع أوصال القطاع وتحويله إلى أرخبيل سكاني بلا سيادة ولا اتصال.

التحضيرات لتنفيذ هذه الخطة بدأت بالفعل، حيث تقوم جرافات الاحتلال بتدمير أحياء كاملة، لبناء الطرق والمواقع العسكرية فوق أنقاض بيوت الفلسطينيين، وبحسب التقرير فإن العملية تُدار بموافقة أمريكية، حيث تُشير الصحيفة إلى أن توزيع المساعدات الإنسانية داخل هذه الشرائط الثلاثة سيكون من خلال شركات خاصة، بإشراف مباشر من الجيش الإسرائيلي، وفق نموذج مشابه لخصخصة الحواجز في الضفة الغربية والقدس. ووفقًا للخطة، ستُنشأ 12 نقطة توزيع داخل المناطق السكانية، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لإضفاء طابع إنساني مخادع على خطة تطهير جغرافي منظم.

منذ 2 مارس/آذار، أغلقت إسرائيل كل المعابر التي كانت تدخل منها المساعدات الإنسانية، بذريعة الضغط على حماس لإطلاق سراح الأسرى، متهمة الحركة بالاستيلاء على المساعدات، رغم أن الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة نفوا ذلك مرارًا. في غضون ذلك، يتواصل القصف العنيف على مختلف أنحاء غزة، وأعلنت وزارة الصحة والدفاع المدني أن عدد الشهداء الفلسطينيين تجاوز 52 ألفًا من المدنيين، غالبيتهم من الأطفال والنساء.

الصحيفة تؤكد أن هذه الخطة ليست مجرد رد فعل عسكري، بل جزء من استراتيجية طويلة المدى لفرض أمر واقع جديد على غزة، يقوم على تجزئة الأرض والسكان، ومنع عودة النازحين، وتحويل كل من يحيا في القطاع إلى رهينة ضمن مناطق أمنية مراقبة، خاصة بعد أن أعلن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو أن هجومًا جديدًا “مكثفًا” سيبدأ فور فشل مفاوضات الدوحة، والتي يُنتظر أن تُستأنف بعد انتهاء جولة ترامب في الشرق الأوسط، والتي اختتمها يوم الجمعة.

المجتمع الدولي، كالعادة، يكتفي بالكلمات، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عبّر عن “قلقه” مما يحدث، وكتب على حسابه في منصة X أن “الوضع في غزة تجاوز حدود الوصف، وتجاوز الوحشية، وتجاوز كل ما هو إنساني”، وأضاف أن “سياسة الحصار والتجويع تُسقط القانون الدولي في وحل السخرية”، لكن كل هذا دون أي تحرك فعلي لوقف الاحتلال.

في المقابل، عقد زعماء عرب اجتماعًا في بغداد دعوا فيه إلى وقف فوري لإطلاق النار، والسماح بدخول المساعدات دون عوائق، وإنهاء نزيف الدم في غزة، دون أن يصدر عنهم ما يتجاوز الدعوات.

الخطة التي كشفت عنها صحيفة “ذا تايمز” تُعد بمثابة إعلان نية واضح بترسيخ الاحتلال الكامل على قطاع غزة، من خلال تقسيم السكان وتدمير البنية السكانية وتطبيع وجود القوات الإسرائيلية داخل الأرض الفلسطينية. المشروع المطروح ليس مجرد انتهاك جديد، بل حلقة مفصلية في مشروع إحكام السيطرة والتطهير الجماعي، وفرض وقائع ميدانية تستهدف فصل الإنسان عن أرضه وتاريخه وحقه في الحياة الحرة.

في ظل صمت دولي مريب وتواطؤ أمريكي مكشوف، ما تكشفه الصحيفة يضع العالم أمام حقيقة لا يمكن إنكارها: ما يُراد لغزة ليس مجرد احتلال، بل محو تدريجي محكم تحت غطاء العمليات العسكرية والمساعدات الإنسانية.