خمسة وسبعون عامًا ظلّ فيها الدعم الأمريكي لإسرائيل ثابتًا عند ثلاثة أعمدة: مساعدات عسكرية سخية، حماية دبلوماسية دولية، ورأي عام يميل تلقائيًا إلى الرواية الإسرائيلية. المشهد يتبدّل الآن ببطءٍ لكنه بثبات. استطلاعات الرأي والمؤشرات السياسية تُظهر تغيرًا واضحًا في المزاج الأمريكي، تغذّيه حرب غزة التي حصدت أكثر من سبعةٍ وستين ألف فلسطيني، وكشفت صور الجوع والدمار على نطاق غير مسبوق. هذا التحوّل لا يعني تغييرًا فوريًا في قرارات البيت الأبيض أو الكونغرس، لكنه يؤسّس لمرحلة تختلف جذريًا عمّا قبل.
على الأرض الانتخابية، رصد عبد-الرحمن السيد (عبدول السيد) المرشح الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ عن ميشيغان، خلال حملته في مئة مدينة وبلدة، تحوّلًا ملحوظًا في مزاج الناخبين: توصيف ما يجري في غزة بـ«إبادة جماعية» لم يعد مقصورًا على هوامش اليسار، بل يتردد علنًا على ألسنة سياسيين ديمقراطيين تقليديين، بل وخصوم لهم داخل الحزب. منافسته مالوري ماكمورو وافقته علنًا على توصيف «الإبادة»، في إشارة إلى أن سقف الخطاب تغيّر. الأثر ذاته يوثّقه مرشحون صاعدون مثل زهران ممداني الذي تبنّى صراحة الدفاع عن الحقوق الفلسطينية واقتنص بطاقة الديمقراطيين لسباق بلدية نيويورك، في دلالة على أن تيار التعاطف مع الفلسطينيين بات رافعة انتخابية في بعض الدوائر.
التحوّل ينعكس بوضوح في الاستطلاعات. مركز «بيو» أفاد مؤخرًا بأن نحو 59% من الأمريكيين يحملون نظرة سلبية لإسرائيل، و39% يرون أنها «ذهبت بعيدًا» في حرب غزة، مقارنة بـ31% قبل عام، و27% بعد شهرين فقط من اندلاع الحرب. استطلاع «نيويورك تايمز/سيينا» سجّل تعاطفًا مع الفلسطينيين يفوق التعاطف مع إسرائيل، «إيكونوميست/يوغوف» وثّق أن 45% من الأمريكيين يرون أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، مقابل 31% يعارضون ذلك، بينما كشف «واشنطن بوست» أن قرابة أربعةٍ من كل عشرة يهود أمريكيين يشاطرون هذا التقييم. الفجوة الحزبية لافتة: بين الديمقراطيين يتراجع الدعم لإسرائيل عبر كل الشرائح العمرية، بما ينذر بنقاشٍ داخلي حاد سيطلّ برأسه في الانتخابات التمهيدية الرئاسية المقبلة، وبمزيجٍ من الآراء داخل أي إدارة ديمقراطية لاحقة يترك أثرًا مباشرًا على الحُكم وصنع القرار.
على الضفة الجمهورية، يظلّ كبار السن أكثر تمسّكًا بالتحالف التقليدي، لكن خطاب القاعدة الشابة يميل إلى الانعزال عن «التدخلات الخارجية» ويزداد نفورًا من «شيك على بياض» لإسرائيل. شخصيات يمينية بارزة مثل مارجوري تايلور غرين وصفت علنًا ما يجري في غزة بـ«الإبادة»، قبل أسابيع من تبنّي بيرني ساندرز التوصيف نفسه من جهة اليسار، ما يعكس أن التغيّر جيلّي وعابر للاصطفافات التقليدية. حتى دونالد ترامب، الذي أعلن خطة لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، قال صراحة إن «لوبي إسرائيل لم يعد يسيطر كما كان» على الكونغرس، في اعترافٍ بضمورٍ نسبي في النفوذ السياسي التقليدي لإسرائيل داخل واشنطن.
هذا التحول الشعبي والسياسي يضغط على البنية المؤسسية لمسارات النفوذ. نفوذ اللوبي الصهيوني «إيباك» الذي تسيّد لسنواتٍ طويلة يواجه تحديًا من جماعات أكثر اعتدالًا مثل «جي ستريت»، وصولًا إلى قبول زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز دعم «جي ستريت» على الرغم من انتقادها العلني لحكومة نتنياهو وتبنّيها حلّ الدولتين. مع ذلك، لا تزال مؤشرات القوة التقليدية تعمل: إسقاط مجلس الشيوخ مقترحًا لوقف مبيعات السلاح لإسرائيل في يوليو الماضي يُظهر أن كتلة الدعم داخل المؤسسة التشريعية قائمة، حتى إن صوّتت أغلبية الديمقراطيين الحاضرين لصالح المنع.
هل ينعكس كل ذلك على سياسات الإدارة؟ الخبرة الأمريكية تقول إن تغيّر الرأي العام يحتاج دورةً انتخابية أو أكثر كي يترجم إلى تغييرٍ ملموس في السياسات، خاصة في ملفاتٍ تُعدّ «أمنًا قوميًّا» وتخضع لنفوذ بيروقراطيات قوية داخل البيت الأبيض والبنتاغون والكونغرس. لكن التغيّر الجاري بنيوي لا ظرفي. مستشارون وباحثون من «بروكينغز» وغيرِه يقدّرون أن الإدارات المقبلة — خصوصًا الديمقراطية — ستدخل البيت الأبيض بتركيبة داخلية أقل تجانسًا في النظرة لإسرائيل، وأكثر تحفّظًا على الحروب المفتوحة، ما يعني نزول سقف «الدعم غير المشروط» تدريجيًا، وارتفاع كلفة منح شيكٍ مفتوح سياسيًا وماليًا.
العوامل الدافعة لهذا التحوّل متشابكة: مشاهد الإبادة والكارثة الإنسانية في غزة، موجات احتجاج طلابية ونقابية واسعة داخل الجامعات والمؤسسات الثقافية، حسٌّ متنامٍ بأن المليارات التي تُنفق على حروبٍ خارجية تأتي على حساب الداخل الأمريكي المأزوم بتكاليف المعيشة والصحة والتعليم والبنية التحتية. في ميشيغان وأريزونا وبنسلفانيا، حيث تُحسم الانتخابات بالرُتب الصغيرة، باتت كلفة الانحياز الأعمى لإسرائيل انتخابيًا أعلى، خصوصًا مع كتلة ناخبين عرب ومسلمين وتقدميين تُعاقِب الصمت على الجرائم أو التواطؤ معها.
الخلاصة: نعم، هناك «تحوّل جذري» في الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل. التأثير لن يكون فوريًا على مسار المساعدات أو الفيتو في مجلس الأمن، لكن نافذة السياسة أُعيد فتحها. إسقاط «قداسة» التحالف يُتيح مساءلةً أعلى داخل الإعلام والكونغرس، ويخلق مساحة مرئية لمرشحين يتبنّون خطابًا صريحًا حول الحقوق الفلسطينية. التحوّل سيُغذّي ضوابط وشروطًا إضافية على التسليح، وتدقيقًا أكبر في الانتهاكات، وتباعدًا محسوبًا — خصوصًا داخل الحزب الديمقراطي — عن حكومة إسرائيل اليمينية وسياساتها.
متى تحين لحظة الإعمار، فالمسؤولية الأخلاقية والمادية لا تقع على الفلسطينيين الذين دُمِّرت بيوتهم، بل على من أشعل الحرب وسلّحها وغطّاها: إسرائيل أولًا، وكل حكومةٍ غربية شاركت في تمويل العدوان أو وفّرت له الغطاء السياسي والدبلوماسي. من دمّر يُحاسَب ويَدفع كلفة إعادة البناء، ومن صمت لا يمنح شهادات حسن سلوك بعد الفاجعة. هذا المعنى، لا تبدّله استطلاعات ولا تبدّده دورات انتخابية؛ إنه الحد الأدنى لعدالةٍ متأخرة.