بقلم: محمد أحمد بنّيس (عن موقع “العربي الجديد”)

لم يكن قرار المغرب وإسرائيل رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما – برعاية أمريكية – من مجرد مكتبي اتصال إلى تبادل إطلاق سفارات كاملة، أمراً مفاجئاً؛ إذ يمثل هذا المستوى السقف الأعلى والمستهدف الرئيسي للاتفاق الثلاثي المبرم في ديسمبر/كانون الأول 2020 بين الرباط وتل أبيب وواشنطن. غير أن التوقيت والظروف الإقليمية والدولية المعقدة يضفيان على هذه الخطوة أبعاداً وحسابات سياسية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية الإقليمية.

تزامن هذا القرار مع التفاعلات الناتجة عن أحداث مدينة سبتة داخل الاتحاد الأوروبي؛ حيث أدان البرلمان الأوروبي الرباط وحملها مسؤولية العبور الجماعي للمهاجرين، واصفاً إياه بـ “الغزو” و”الحرب الهجينة” ومؤكداً تضامنه مع الحدود الخارجية لإسبانيا. من هنا، يمكن قراءة الاندفاع المغربي نحو استكمال التطبيع الدبلوماسي مع تل أبيب كرسالة رد سياسية ودالة على الانحياز الأوروبي للسردية الإسبانية بشأن المدينتين المحتلتين (سبتة ومليلية)، بالاعتماد على المظلة النفوذية للولايات المتحدة.

وترتبط الهندسة النهائية لهذه الخطوة بالحسابات الداخلية الأمريكية؛ إذ لعبت إدارة الرئيس دونالد ترامب دور العرّاب الأكبر لمسارات التطبيع الإبراهيمي. وتوظيف الإعلان عن فتح السفارات من نيويورك قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس يمنح ترامب مكسباً سياسياً يحتاجه لتعزيز سلطاته الداخلية ورصيده لدى اللوبي المؤيد لإسرائيل داخل الحزب الجمهوري. علاوة على ذلك، يأتي القرار قبل جلسة المرتقبة لمجلس الأمن الدولي بشأن الصحراء الغربية أواخر أكتوبر/تشرين الأول المقبل؛ حيث تسعى الرباط لتوظيف الموقف الأمريكي (الممثل بالمندوب مايك والتز) لحسم ملف الشرعية الدولية والموقف التنفيذي لمغربية الصحراء.

أما إسرائيلياً، فيعد رفع التمثيل الدبلوماسي مع دولة عربية وإسلامية بحجم المغرب – والتي ترأس لجنة القدس – مكسباً استراتيجياً وإنجازاً شخصياً كبيراً لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ففي الوقت الذي تواجه فيه إسرائيل عزلة دولية غير مسبوقة ومطالبات بالحظر العقابي جراء حرب الإبادة الجماعية المتواصلة بقطاع غزة والتصعيد بـ الضفة الغربية وجنوب لبنان، يجيء هذا الاتفاق الشامل ليمنح تل أبيب طوق نجاة ديبلوماسياً ودون أن يُرتب عليها أي التزامات لتغيير سلوكها العدواني بالإقليم.

وفي المقابل، ينطوي هذا التطبيع الشامل على كلفة سياسية ومجتمعية باهظة داخل الشارع المغربي؛ فالمجتمع ينظر إلى إسرائيل ككيان غاصب يرتكب الجرائم بحق الشعب الفلسطيني والتاريخ الإنساني. ورغم وجود أصوات تبرر الخطوة بداعي “المصالح الوطنية” أو الحسابات الأيديولوجية الضيقة، إلا أن القاعدة الشعبية العريضة ترفض التناقض بين الذود عن مغربية الصحراء وبين خيانة التضامن المبدئي مع المقاومة والحق الفلسطيني.

ويبقى السؤال الأبرز صموداً أمام الحكومة المغربية: هل تملك السلطة النخبوية المقومات القادرة على إدارة الفجوة العميقة بين الاندماج التطبيقي والتنفيذي مع دولة الاحتلال، وبين الضغط الشعبي الرافض والمتمسك بالتاريخ والعدالة الإنسانية في ظل التوحش الصهيوني الراهن؟ إن غياب الموارد السياسية والمجتمعية اللازمة لإدارة هذه الفجوة هو ما يهدد بفتح مواجهة صامتة بين الموقف الرسمي والوجداني المتجذر بالشارع المغربي.