في ظل الأزمات البيئية المتزايدة والضغوط الدولية على الحكومات لاعتماد سياسات أكثر استدامة، تتجه الأنظمة الخليجية، بقيادة الإمارات والسعودية، إلى الترويج لنفسها كرواد في مجال التمويل المستدام. التوقعات تشير إلى أن إصدارات الاستدامة في الشرق الأوسط ستصل إلى 23 مليار دولار بحلول عام 2025، مع هيمنة الإمارات والسعودية على هذا القطاع. لكن خلف هذا المشهد الإيجابي المزعوم، يكشف تحليل أعمق أن هذه الإصدارات ليست أكثر من أداة علاقات عامة تستخدمها الحكومات الخليجية لتحسين صورتها الدولية، في وقت تستمر فيه السياسات الاقتصادية غير المستدامة، والقمع السياسي، وانتهاكات حقوق الإنسان.

زيادة شكلية في الإصدارات المستدامة.. وأزمة في الإصدارات السيادية

وفقًا للتوقعات، فإن الصكوك المستدامة ستشكل 35% من إجمالي إصدارات التمويل الأخضر في المنطقة، بينما ستشهد الإصدارات السيادية – أي تلك الصادرة عن الحكومات نفسها – تراجعًا بنسبة 56% مقارنة بعام 2023. هذا الاتجاه يثير تساؤلات حول مدى جدية الدول الخليجية في التزاماتها البيئية والاقتصادية، إذ يبدو أن الحكومات تختار الاعتماد على الصكوك التي تصدرها الشركات والبنوك، بدلًا من تحمل المسؤولية المباشرة عن مشاريع الاستدامة عبر الإصدارات السيادية.

التراجع الكبير في الإصدارات السيادية يكشف عن عدم استعداد الأنظمة الخليجية لتخصيص ميزانيات حقيقية للاستثمار في البنية التحتية المستدامة، وبدلًا من ذلك، يتم توجيه رؤوس الأموال الخاصة والدولية إلى هذه المشروعات، دون وجود التزام حكومي صارم بتنفيذ خطط طويلة الأمد تعكس تغييرًا حقيقيًا في السياسات الاقتصادية.

الإمارات والسعودية.. ريادة زائفة في التمويل الأخضر

تسعى الإمارات والسعودية إلى تصدر مشهد التمويل المستدام في المنطقة، لكن هذا التوجه يخدم مصالحهما السياسية أكثر مما يعكس تحولًا حقيقيًا في أولوياتهما الاقتصادية. الإمارات، التي تتفاخر بأنها أصبحت مركزًا عالميًا للتمويل الأخضر، لا تزال تعتمد بشكل رئيسي على الصناعات النفطية، وتستخدم التمويل المستدام كوسيلة لجذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز نفوذها في الأسواق العالمية.

أما السعودية، التي أعلنت عن مشاريع ضخمة مثل “نيوم” و”السعودية الخضراء”، فلا تزال من بين أكبر الدول المصدرة للنفط عالميًا، دون وجود سياسات جادة للتخلص التدريجي من الاعتماد على الوقود الأحفوري. الصكوك المستدامة التي تصدرها الشركات السعودية، غالبًا ما تكون مدعومة بمشروعات لا تعكس تحولًا بيئيًا حقيقيًا، بل مجرد تحسينات طفيفة تسمح لهذه الشركات بالحصول على التمويل الأخضر دون تغيير جوهري في أنشطتها.

التلاعب بمفهوم “الاستدامة” لخدمة المصالح السياسية

يرى محللون أن الطفرة في الإصدارات المستدامة في الخليج ليست إلا جزءًا من حملة لتبييض الصورة أمام المجتمع الدولي، خاصة بعد الانتقادات التي تواجهها هذه الدول بسبب سجلها السيئ في حقوق الإنسان والديمقراطية. على سبيل المثال، الإمارات استغلت استضافتها لمؤتمر المناخ “COP28” لتقديم نفسها كداعم رئيسي لمبادرات الطاقة المتجددة، رغم أنها واحدة من أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم.

السعودية، بدورها، تروج لخطط التحول الأخضر بينما تستمر في تعزيز نفوذها في منظمة أوبك+، التي تتحكم في أسعار النفط العالمي، وهو ما يعكس تناقضًا واضحًا بين الخطاب الرسمي والممارسات الفعلية.

غياب الشفافية وغياب الرقابة الدولية

اللافت في هذه الإصدارات هو غياب الشفافية بشأن كيفية استخدام الأموال المستدامة. العديد من المشاريع التي تُمول عبر الصكوك المستدامة لا تخضع لمعايير بيئية صارمة، ما يسمح للحكومات والشركات باستخدام هذه الأدوات المالية دون تنفيذ سياسات حقيقية للتخفيف من التغير المناخي أو حماية الموارد الطبيعية.

في العديد من الأسواق المتقدمة، تخضع إصدارات التمويل الأخضر لمراقبة صارمة لضمان أن الأموال تُستخدم بشكل مسؤول، لكن في الخليج، لا توجد آليات رقابة حقيقية لمحاسبة الجهات التي تصدر هذه الصكوك. وهذا يعني أن الكثير من المشاريع التي يتم تمويلها قد لا تكون ذات تأثير بيئي إيجابي فعلي، وإنما مجرد وسيلة للحصول على التمويل بتكلفة أقل.

 التمويل الأخضر كأداة دبلوماسية

في النهاية، يبدو أن صعود التمويل المستدام في الإمارات والسعودية ليس سوى خطوة تكتيكية لتعزيز النفوذ السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا حقيقيًا نحو الاستدامة. التراجع الكبير في الإصدارات السيادية يثبت أن الحكومات الخليجية لا تزال غير مستعدة لتحمل المسؤولية المباشرة عن المشاريع البيئية، وتفضل الاعتماد على الصكوك الصادرة عن الشركات والبنوك، وهو ما يسمح لها بتجنب المساءلة الدولية.

إن التمويل الأخضر، في صورته الحالية في الخليج، ليس إلا امتدادًا للدبلوماسية الاقتصادية التي تمارسها هذه الأنظمة، حيث يتم استخدام الأدوات المالية للتأثير على الأسواق العالمية وتحسين السمعة، بينما تستمر السياسات الاقتصادية غير المستدامة في خلفية المشهد. وفي ظل غياب الرقابة والشفافية، ستبقى هذه الإصدارات أداة للتلاعب أكثر من كونها حلًا حقيقيًا لأزمة المناخ والتنمية المستدامة.