في تصعيد دبلوماسي جديد يُعيد الملف النووي الإيراني إلى واجهة التوترات الدولية، أبلغ وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا وألمانيا، ومعهم الاتحاد الأوروبي، نظيرهم الإيراني عباس عراقجي نيتهم إعادة تفعيل عقوبات الأمم المتحدة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي قبل نهاية أغسطس الجاري، ما يفتح الباب أمام احتمالات خطيرة تتراوح بين العودة إلى سياسة “الضغط الأقصى”، أو انفجار تفاوضي قد يُقصي أوروبا بالكامل عن طاولة الملف الإيراني.
إنذار نهائي أم مناورات تفاوضية؟
بحسب بيان الخارجية الفرنسية، فإن الوزراء الأوروبيين الثلاثة أبلغوا إيران بوضوح أنّ عدم تحقيق تقدم بحلول نهاية الصيف سيعني تفعيل آلية “سناب باك”، التي تسمح بإعادة فرض كافة العقوبات الأممية التي رُفعت بعد اتفاق 2015، وذلك قبل انتهاء صلاحية خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) في أكتوبر المقبل.
ورغم أن هذا التهديد ليس الأول من نوعه، إلا أن توقيته هذه المرة يأتي مدعومًا بموقف أمريكي صلب، أعلنه وزير الخارجية الجديد ماركو روبيو، خلال مكالمة تنسيقية مع الوزراء الأوروبيين، وفقًا لتقرير نشره موقع “أكسيوس”.
ماذا تعني آلية “سناب باك”؟
آلية “Snapback” منصوص عليها في قرار مجلس الأمن رقم 2231، وتمنح الدول المشاركة في الاتفاق النووي حق إعادة فرض جميع العقوبات الأممية على إيران بمجرد تقديم إخطار لمجلس الأمن بحدوث خرق جوهري من طرف طهران، دون الحاجة إلى تصويت أو إجماع.
وبحسب التقرير، فإن القوى الأوروبية تحاول استخدام هذه الورقة كورقة ضغط قصوى لإجبار طهران على العودة لطاولة التفاوض، لكن التهديد بات يشبه سيفًا ذا حدّين، إذ قد يدفع إيران إلى الانسحاب النهائي من أي تعاون مع أوروبا، كما حذرت الخارجية الإيرانية.
المعادلة الجديدة: تفاوض تحت النار
التصعيد الدبلوماسي لم يأتِ منفصلًا عن التطورات الميدانية، فقد قصفت الولايات المتحدة – في خطوة هي الأولى من نوعها منذ سنوات – منشآت نووية إيرانية في فوردو وأصفهان ونطنز يوم 22 يونيو، في ما وصفه مراقبون بأنه رسالة نارية تتجاوز التفاوض وتلمّح إلى استعدادات أمريكية لمرحلة ما بعد فشل الدبلوماسية.
ورغم نفي إيران سعيها إلى إنتاج قنبلة نووية، إلا أن مواصلة تخصيب اليورانيوم بمعدلات مرتفعة، وتقليص التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ورفض الشفافية في مواقع حساسة، تُغذي الشكوك الغربية وتعزز رواية تل أبيب بوجود نوايا عسكرية إيرانية.
بين طهران وأوروبا: ثقة متآكلة ووقت ينفد
ترى إيران أن العودة إلى آلية “سناب باك” هي انتحار دبلوماسي أوروبي، وأنها ستؤدي إلى إخراج أوروبا من المعادلة نهائيًا، وتفتح الطريق أمام مقاربة أكثر عدوانية في الإقليم، من خلال تعزيز التعاون مع روسيا والصين، وتوسيع النشاط الإقليمي.
لكن من جهة أخرى، تبدو العواصم الأوروبية الثلاث في وضع لا تُحسد عليه، فهي تواجه ضغطًا أمريكيًا لتوحيد الصف، وضغطًا إسرائيليًا لتحجيم البرنامج النووي الإيراني بأي وسيلة، وضغطًا داخليًا من الرأي العام الرافض لفشل الاتفاق النووي مرة أخرى بعد انسحاب ترامب عام 2018.
خيار ثالث على الطاولة؟
أشارت تسريبات إلى أن القوى الأوروبية تسعى إلى فتح قنوات خلفية جديدة مع إيران، تعرض من خلالها تأجيل تفعيل “سناب باك” مقابل خطوات إيرانية محددة، مثل خفض معدلات التخصيب، أو السماح بتفتيش الوكالة الدولية مجددًا، أو التهدئة في الملف الإقليمي.
لكن السؤال هو: هل تثق إيران بعد كل ما جرى في أن أوروبا شريك تفاوضي مستقل؟ أم تعتبرها مجرد ظل للموقف الأمريكي، وبالتالي فإن أي تفاهمات يجب أن تُعقد مباشرة مع واشنطن؟
مسار الاتفاق يترنح بين “سناب باك” وقصف فوردو
أوروبا اليوم تُهدد، لكن من موقع ضعف تفاوضي بعد سنوات من العجز عن إنقاذ الاتفاق النووي. أما إيران، فترى أنها باتت تملك أوراقًا استراتيجية تمنع عزلها، لكنها تخشى أيضًا أن تُفجّر العقوبات مجددًا اقتصادها، في وقت يتصاعد فيه الاستياء الداخلي والضغط الشعبي.
وبين طرفين فقدا الثقة، يبدو أن نافذة التفاهم تضيق باقتراب نهاية الصيف… فهل يكون أغسطس شهر العودة إلى طاولة التفاوض؟ أم بداية انفجار كبير يعيد العالم إلى مربع ما قبل الاتفاق النووي؟
اقرأ أيضا: طهران تحترق من الداخل: هل بدأ الفصل السري من الحرب الإسرائيلية – الإيرانية؟