أعلنت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات وإغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الإماراتية، بعد سنوات تصاعدت خلالها التحذيرات والاتهامات الجزائرية لأبوظبي بالتدخل وزعزعة الاستقرار وتغذية الصراعات المحيطة بحدود البلاد ودعم القوى الانفصالية والمسلحة في المغرب العربي ومنطقة الساحل.

لم تقدم الجزائر قرارها باعتباره خلافاً سياسياً عابراً أو رداً انفعالياً على واقعة منفردة، وإنما وصفته بأنه النتيجة التي وصلت إليها بعد استنفاد كل الوسائل المتاحة للحفاظ على العلاقات الثنائية، وبعد تجاهل الإمارات تحذيرات متكررة من عواقب ما سمته الجزائر «التصرفات الاستفزازية أو العدائية» الصادرة عن أبوظبي.

يعكس القرار تحولاً في نظرة الدولة الجزائرية إلى الدور الإماراتي، حيث لم تعد أبوظبي تُعامل باعتبارها دولة تختلف معها الجزائر حول بعض الملفات الإقليمية، وإنما باعتبارها مصدر تهديد يمتد من المغرب والصحراء الغربية إلى ليبيا ومالي والساحل، ويرتبط بمحاولات التواصل مع دعاة الانفصال داخل الجزائر، وبناء تحالف إقليمي يجمع الإمارات والمغرب وإسرائيل حول مصالح تتعارض مباشرة مع الأمن القومي الجزائري.

 قطع العلاقات وطرد السفير وإغلاق المجال الجوي

في 10 سبتمبر 2026، أعلنت وزارة الخارجية الجزائرية قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، وقالت إن القرار جاء بعد تزايد التصرفات العدائية والاستفزازية الصادرة عن أبوظبي، وبعدما بذلت الجزائر جهوداً متكررة للفت انتباه الجانب الإماراتي وتحذيره من العواقب الوخيمة لسلوكه.

وأكد البيان أن الإمارات واصلت تلك التصرفات حتى بلغت حدوداً لم يعد من الممكن قبولها أو تحملها في علاقة بين دولتين تتمتعان بالسيادة، كما لم يعد من الممكن تركها من دون رد. واستدعت الخارجية السفير الإماراتي يوسف سيف خميس سباع آل علي وأبلغته رسمياً بقرار القطيعة ومنحته مهلة 48 ساعة للمغادرة.

وبعد ساعات، انتقلت الجزائر من القطيعة الدبلوماسية إلى إجراء يمس حركة الطيران الإماراتية مباشرة. فقد أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية إغلاق المجال الجوي ابتداءً من منتصف ليل 11 سبتمبر أمام جميع الطائرات المدنية والعسكرية المسجلة في الإمارات، سواء كانت قادمة منها أو متجهة إليها.

استثنت الجزائر بصورة مؤقتة الرحلات التجارية الإماراتية القادمة إلى مطار هواري بومدين الدولي والمغادرة منه حتى نهاية عام 2026، وهو موعد انتهاء العقد القائم. ويمنح هذا الاستثناء المسافرين والشركات مهلة انتقالية، لكنه لا يغير المعنى السياسي للقرار الذي يمنع الطائرات الإماراتية من استخدام الأجواء الجزائرية ممراً نحو وجهات أخرى، ويضع نهاية عملية لاتفاق النقل الجوي بين البلدين.

جاءت هذه الخطوة استكمالاً لإجراء بدأته الجزائر في فبراير 2026 عندما شرعت في إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة مع الإمارات عام 2013 والمصادق عليها عام 2014. ولم تقدم الجزائر وقتها تفسيراً تفصيلياً، لكن القرار كان أول إشارة رسمية واضحة إلى أن التوتر انتقل من التصريحات السياسية والإعلامية إلى تفكيك الاتفاقيات التي تنظم العلاقة بين الدولتين.

 القطيعة لم تبدأ في سبتمبر

لم يحدد البيان الجزائري واقعة واحدة أدت إلى قطع العلاقات، وهو ما يعكس طبيعة الأزمة المتراكمة. فقد اتسعت الخلافات على مدار سنوات، وازدادت معها قناعة الجزائر بأن الإمارات تستخدم المال والاستثمارات والعلاقات العسكرية والاستخباراتية لبناء نفوذ عدائي حول حدودها ودفع المنطقة نحو مزيد من التفكك.

تتمسك الجزائر بسياسة خارجية تقوم على رفض التدخل العسكري في الدول، والحفاظ على وحدة أراضيها، ومعارضة الحركات الانفصالية، وتسوية أزمات الساحل بالحوار السياسي. أما الإمارات فبنت جانباً كبيراً من نفوذها الإقليمي على دعم قادة عسكريين وتشكيلات مسلحة وسلطات محلية وحركات انفصالية، وهو ما ظهر في ليبيا والسودان واليمن والصومال.

هذا التعارض لم يعد نظرياً عندما بدأت أدوات السياسة الإماراتية تتحرك داخل المجال الأمني المحيط بالجزائر. فمن الشرق يوجد خليفة حفتر المدعوم إماراتياً في ليبيا، ومن الغرب يقف المغرب الذي يحظى بدعم أبوظبي في ملف الصحراء الغربية، ومن الجنوب تتوسع العلاقات الإماراتية مع السلطات العسكرية الجديدة في دول الساحل التي تدهورت علاقاتها بالجزائر، فيما ظهرت اتهامات عن اتصالات إماراتية بحركة تقرير مصير منطقة القبائل المعروفة باسم «ماك».

ومن منظور الجزائر، لا تبدو هذه التطورات ملفات منفصلة، وإنما أجزاء من سياسة واحدة تسعى إلى محاصرتها وتقليص نفوذها وفتح ثغرات داخل أمنها الوطني.

 الخوف من نقل «محور الانفصاليين» إلى الجزائر

تتمثل أخطر نقاط الخلاف في الاتهامات الموجهة إلى الإمارات بالتواصل مع حركة «ماك» التي تطالب بانفصال منطقة القبائل، وتصنفها السلطات الجزائرية تنظيماً إرهابياً وتهديداً مباشراً لوحدة البلاد.

أشار أستاذ دراسات الأمن في كلية كينغز كوليدج لندن أندرياس كريغ إلى أن الجزائر أصبحت تنظر إلى السياسة الإماراتية باعتبارها قائمة على بناء «محور من الانفصاليين»، يبدأ بخليفة حفتر في ليبيا، ويمر بميليشيا الدعم السريع في السودان، ويصل إلى المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، ثم يخشى الجزائريون من توجيه الأسلوب نفسه إلى داخل بلادهم عبر التواصل مع حركة «ماك».

لم تنشر الحكومة الجزائرية حتى الآن ملفاً علنياً يتضمن أدلة تفصيلية عن طبيعة الدعم الإماراتي المزعوم للحركة، ولم يذكر بيان قطع العلاقات اسمها، ولذلك يبقى هذا الجانب ضمن الاتهامات والمخاوف الجزائرية المتداولة في الإعلام والتقديرات السياسية. غير أن حساسية المسألة تفسر جانباً أساسياً من حدة الرد، لأن أي اتصال خارجي بحركة انفصالية تعتبرها الجزائر إرهابية يتجاوز حدود الخلاف الدبلوماسي إلى تهديد وحدة الدولة.

ولا تنظر الجزائر إلى هذه المخاوف بمعزل عن سجل أبوظبي في دعم كيانات انفصالية أخرى. فقد بنت الإمارات علاقات وثيقة مع المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسعى إلى فصل جنوب اليمن، وأقامت علاقات مباشرة مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعيداً عن الحكومة الصومالية، كما دعمت حفتر في مشروعه العسكري للسيطرة على ليبيا، وساندت ميليشيا الدعم السريع التي أسهمت حربها في دفع السودان نحو خطر التقسيم.

هذا السجل يجعل القلق الجزائري مفهوماً، لأن الدولة التي تحيط بها الأزمات والانقلابات والجماعات المسلحة لا تستطيع التعامل باستخفاف مع احتمال دخول الإمارات إلى ملف انفصالي داخل حدودها.

 حفتر قاعدة النفوذ الإماراتي شرق الجزائر

يشكل الدعم الإماراتي لخليفة حفتر أحد أقدم أسباب التوتر بين الجزائر وأبوظبي. فقد ساندت الإمارات قواته سياسياً ومالياً وعسكرياً خلال الحرب الليبية، وساعدته على بناء سلطة موازية في شرق البلاد، في وقت دافعت فيه الجزائر عن وحدة ليبيا ورفضت محاولات حسم الصراع بالقوة.

لم يقتصر أثر المشروع الإماراتي على الداخل الليبي، لأن استمرار الانقسام أنشأ فضاءً واسعاً لانتقال الأسلحة والمقاتلين وشبكات التهريب بين ليبيا وتشاد والنيجر والسودان. وأصبحت مناطق سيطرة حفتر جزءاً من طرق إمداد عسكرية تخدم ميليشيا الدعم السريع في السودان وتوسع نفوذ أبوظبي عبر حزام متصل من الأراضي الواقعة شرق الحدود الجزائرية وجنوبها الشرقي.

بالنسبة إلى الجزائر، يعني وجود قوة عسكرية موالية للإمارات في شرق ليبيا أن أبوظبي امتلكت موقعاً متقدماً داخل دولة تشترك معها في حدود طويلة وحساسة. كما يعني أن أي انهيار أمني أو توسع في تهريب السلاح والمقاتلين داخل ليبيا يمكن أن يصل مباشرة إلى الأراضي الجزائرية.

وقد عمّق هذا الوضع الشك الجزائري في خطاب الإمارات عن الاستقرار، لأن دعم حفتر لم ينتج دولة ليبية موحدة أو مؤسسات وطنية قوية، وإنما رسخ الانقسام بين شرق البلاد وغربها، وحول ليبيا إلى ساحة مفتوحة للقوى الخارجية والمرتزقة وشبكات السلاح.

 الصحراء الغربية والتحالف مع المغرب

يقع ملف الصحراء الغربية في صميم الخلاف بين الجزائر والإمارات، لأن أبوظبي انتقلت من تأييد المغرب سياسياً إلى دعم سيادته المعلنة على الإقليم المتنازع عليه واتخاذ خطوات ميدانية تمنح هذا الموقف ثقلاً دبلوماسياً واقتصادياً.

في نوفمبر 2020، أصبحت الإمارات أول دولة عربية تفتتح قنصلية في مدينة العيون بالصحراء الغربية، في خطوة اعتبرها المغرب دعماً صريحاً لموقفه من الإقليم. وفي المقابل، تتمسك الجزائر بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير وتدعم جبهة البوليساريو، وتستند إلى المسار الأممي الذي كان يفترض تنظيم استفتاء لتحديد مستقبل المنطقة.

تنظر الجزائر إلى الدعم الإماراتي للمغرب باعتباره جزءاً من انحياز أبوظبي إلى خصمها الإقليمي في قضية تمس حدودها وأمنها وموقعها في شمال أفريقيا. كما تثير الاستثمارات الإماراتية في البنية التحتية والموانئ والمشروعات الواقعة داخل الأراضي المتنازع عليها مخاوف من محاولة تحويل الاحتلال المغربي إلى أمر واقع تدعمه الأموال والمصالح الاقتصادية.

لا يتعلق الخلاف هنا بتباين دبلوماسي يمكن احتواؤه، لأن الصحراء الغربية تمثل أحد أكثر ملفات الأمن القومي حساسية بالنسبة إلى الجزائر، كما تشكل السبب الرئيسي للصراع الممتد بينها وبين المغرب. وعندما تستخدم الإمارات نفوذها المالي والسياسي لتقوية الموقف المغربي، فإنها تدخل مباشرة في مواجهة استراتيجية مع الجزائر.

 التحالف الإماراتي الإسرائيلي يغير ميزان التهديد

ازدادت الأزمة تعقيداً بعد تطبيع الإمارات والمغرب علاقاتهما مع إسرائيل عام 2020. فقد نشأ في شمال أفريقيا محور يجمع أبوظبي والرباط وتل أبيب، وتوسعت داخله العلاقات الاقتصادية والعسكرية والأمنية، في وقت تنظر فيه الجزائر إلى الوجود الإسرائيلي المتنامي في المغرب باعتباره تهديداً مباشراً.

ترفض الجزائر التطبيع وتتمسك بدعم الحقوق الفلسطينية، بينما أصبحت الإمارات بوابة رئيسية لإعادة دمج إسرائيل في المنطقة وتوسيع علاقاتها الأمنية والاقتصادية مع الدول العربية. وقد ساعد التحالف الإماراتي الإسرائيلي في توفير غطاء سياسي للتقارب العسكري بين المغرب وإسرائيل، بما يشمله من تعاون في مجالات الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي والاستخبارات والتقنيات الأمنية.

تخشى الجزائر من أن توظف هذه العلاقات في مراقبتها والضغط عليها وتغيير موازين القوة في المغرب العربي. كما ترى أن دعم الإمارات للمغرب لا يمكن فصله عن شراكتها مع إسرائيل، لأن الأطراف الثلاثة تتقاطع في مواجهة الموقف الجزائري من الصحراء الغربية والتطبيع والوجود الإسرائيلي في شمال أفريقيا.

ولهذا لم تعد أبوظبي بالنسبة إلى الجزائر دولة خليجية بعيدة تمارس سياسة مختلفة، وإنما طرفاً يساعد على بناء منظومة أمنية معادية على حدودها الغربية.

 الساحل يتحول إلى ساحة ضغط

تمثل دول الساحل العمق الأمني الجنوبي للجزائر، حيث تمتد الحدود الصحراوية المفتوحة وتتحرك جماعات مسلحة وشبكات تهريب السلاح والمخدرات والهجرة غير النظامية. وقد لعبت الجزائر لعقود دور الوسيط في أزمات مالي، وكان اتفاق الجزائر للسلام عام 2015 أحد أبرز أدواتها لاحتواء التمرد في شمال البلاد.

تغيرت الخريطة بعد الانقلابات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتدهورت علاقات هذه الحكومات بالجزائر، فيما توسعت علاقاتها بقوى خارجية جديدة، من بينها روسيا والإمارات والمغرب. وأصبح التنافس في الساحل مرتبطاً بالعقود العسكرية والاستثمارات والموانئ والمناجم والطائرات المسيّرة وشبكات النفوذ السياسي.

بلغت الأزمة بين الجزائر ومالي ذروتها في مارس 2025 عندما أسقطت الجزائر طائرة مسيّرة مالية قالت إنها اخترقت مجالها الجوي قرب تين زواتين، لتدخل العلاقات بعدها في مواجهة دبلوماسية وتبادل لإغلاق الأجواء وسحب السفراء. وفي الوقت نفسه، كانت الجزائر ترى أن قوى إقليمية تستفيد من إبعادها عن الساحل وإسقاط دورها التاريخي في الوساطة.

لا يوجد دليل علني يثبت أن الإمارات أدارت جميع التحركات المعادية للجزائر في دول الساحل، لكن توسع نفوذ أبوظبي داخل هذه الدول، بالتزامن مع تراجع العلاقات الجزائرية معها وتقاربها مع المغرب، عمّق شعور الجزائر بأنها تواجه عملية منظمة لإخراجها من مجالها الحيوي ومحاصرتها بدول وحكومات ترتبط بمنافسيها.

وعندما تحدث تبون عن وجود المال الإماراتي في مالي وليبيا والسودان، كان يشير إلى هذا النمط الذي تدخل فيه أبوظبي إلى مناطق الأزمات عبر التمويل والعلاقات العسكرية، ثم تدعم أطرافاً تساعدها على توسيع النفوذ ولو كان الثمن تعميق الانقسام والحرب.

 السودان دليل على خطورة النموذج الإماراتي

راقبت الجزائر الحرب السودانية بوصفها مثالاً واضحاً على النتائج التي يمكن أن تترتب على التدخل الإماراتي في دولة أفريقية. فقد اتهمت الحكومة السودانية أبوظبي بتمويل وتسليح ميليشيا الدعم السريع، ودعمت هذه الاتهامات تحقيقات دولية وتقارير أممية وعقوبات أمريكية استهدفت شركات موجودة في الإمارات ومرتبطة بتمويل الميليشيا وشراء الذهب السوداني لمصلحتها.

كما وثقت تحقيقات صحفية طرق الإمداد الممتدة عبر تشاد وليبيا وإثيوبيا، إضافة إلى استخدام مناطق سيطرة حفتر في نقل المقاتلين والسلاح نحو السودان. وأصبحت الحرب مثالاً على شبكة إقليمية تستخدم المال والشركات والمطارات والموانئ والقواعد العسكرية لإبقاء جماعة مسلحة قادرة على تحدي الدولة وارتكاب الفظائع بحق المدنيين.

بالنسبة إلى الجزائر، لا تمثل الكارثة السودانية أزمة بعيدة، لأنها تكشف طريقة عمل يمكن نقلها إلى مناطق أخرى: دعم قوة مسلحة خارج مؤسسات الدولة، تمويلها عبر تجارة الموارد، منحها طرق إمداد إقليمية، ثم استخدامها لبناء نفوذ إماراتي داخل دولة منهكة.

ومن هنا جاءت تحذيرات تبون بأن وجود الإمارات يقترن بسفك الدماء، وأن الجزائر تريد إبعادها قبل وصول هذا النموذج إلى أراضيها.

 “أينما يحلون تسيل الدماء“

بدأ الرئيس عبد المجيد تبون توجيه انتقاداته إلى الإمارات من دون تسميتها، مستخدماً عبارات مثل «الدولة الصغيرة» و«الدويلة». وفي أبريل 2024، قال إن أموال هذه الدولة توجد في كل مكان يشهد صراعاً، وحدد مالي وليبيا والسودان أمثلة على ذلك.

لم تكن الإشارة غامضة داخل السياق الجزائري، لأن الإمارات هي الدولة التي جمعت بين دعم حفتر في ليبيا، وتوسيع نفوذها في الساحل، والاتهامات بتسليح ميليشيا الدعم السريع في السودان. وقد عكست التصريحات آنذاك وصول العلاقة إلى درجة من التوتر دفعت الرئيس إلى مهاجمة السياسة الإماراتية علناً مع الاستمرار في تجنب القطيعة.

وفي مقابلة متلفزة خلال يوليو 2026، صعّد تبون خطابه وقال إن الدولة المقصودة تملك تأثيراً سلبياً للغاية في المنطقة، وإن الدماء تسيل أينما حلّت. وأضاف أن الجزائر تريد منها الابتعاد حتى لا تسيل الدماء داخل البلاد، وكشف أن القطيعة كان يمكن أن تحدث منذ وقت طويل، لكن الجزائر امتنعت عن ذلك حتى لا تزيد الانقسامات العربية.

توضح هذه التصريحات أن القرار الأخير لم يكن مفاجئاً، لأن الرئيس الجزائري أعلن قبل أسابيع أن بلاده ترى في الدور الإماراتي خطراً يمكن أن ينقل العنف إلى داخلها، وأن الصبر على أبوظبي كان مرتبطاً بحسابات عربية لا بغياب أسباب المواجهة.

وعندما أعلنت الإمارات انسحابها من منظمة أوبك خلال عام 2026، قلل تبون من أهمية القرار، وأكد أن السعودية هي الركيزة الأساسية للمنظمة، ثم قال عن الإمارات إن «الكتاب أُغلق». وكان ذلك إعلاناً سياسياً مبكراً بأن الجزائر لم تعد ترى مجالاً لإصلاح العلاقة.

 الإمارات تتجاهل التحذيرات الجزائرية

أكد بيان الخارجية الجزائرية أن أبوظبي تلقت تحذيرات عديدة بشأن سلوكها، وأن قرار القطيعة جاء بعد فشل جميع محاولات الحفاظ على العلاقات. ويعني ذلك أن الاتصالات بين الطرفين سبقت الإعلان، وأن الجزائر اختارت في البداية إدارة الأزمة بعيداً عن المواجهة العلنية.

لكن الإمارات واصلت، وفق الرواية الجزائرية، أنشطتها حتى أصبحت غير قابلة للتحمل. ومن المرجح أن عدم تحديد واقعة أخيرة في البيان كان مقصوداً، لأن الجزائر أرادت تحميل أبوظبي مسؤولية مسار متكامل، لا السماح لها باختزال الأزمة في حادثة واحدة يمكن نفيها أو احتواؤها.

جاء الرد الإماراتي مزيجاً من التظاهر بالحرص على الشعب الجزائري والهجوم غير المباشر على قيادته. فقد قالت وزارة الخارجية الإماراتية إنها تأمل أن يكون القرار مؤقتاً، وأشادت بالعلاقات بين الشعبين والجالية الجزائرية في الإمارات.

أما أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، فكتب أن العلاقات بين الدول يجب أن تقوم على العقلانية والتواصل ووضوح المصالح، لا على «الألغاز والإشارات التي تحتاج إلى فك رموز»، وأضاف أن الضجيج لا يعوض غياب الرؤية.

لم يسمِّ قرقاش الجزائر، لكن توقيت تصريحاته ومضمونها جعلاها رداً واضحاً على القرار. وقد حاول من خلالها تحويل الأزمة من تدخلات إماراتية تتهم الجزائر أبوظبي بممارستها إلى مشكلة في طريقة التعبير الجزائري، متجاهلاً أن الجزائر أعلنت وجود تحذيرات مباشرة ومتكررة سبقت القطيعة.

والواقع أن أبوظبي لا تستطيع المطالبة بالمزيد من «الوضوح» بعد استدعاء سفيرها وطرده وإغلاق المجال الجوي أمام طائراتها. لقد أصبح الموقف الجزائري واضحاً إلى درجة لا تحتاج إلى فك رموز: الدولة تعتبر السلوك الإماراتي تهديداً، وترفض استمرار التعامل معه بلا ثمن.

 نمط يتكرر في دول المنطقة

لا تبدو الأزمة الجزائرية استثناءً داخل السياسة الإماراتية، لأن أبوظبي دخلت خلال السنوات الماضية في نزاعات مع دول اتهمتها بالمساس بسيادتها ودعم قوى موازية لمؤسساتها.

في السودان، قطعت الحكومة علاقاتها مع الإمارات واتهمتها بدعم ميليشيا الدعم السريع. وفي الصومال، ألغت الحكومة مطلع عام 2026 اتفاقيات مع أبوظبي في مجالات الموانئ والأمن والدفاع، متهمة الإمارات باتخاذ إجراءات تقوض السيادة والوحدة الوطنية والاستقلال السياسي، خصوصاً من خلال علاقاتها بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي.

وفي اليمن، دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي وشكلت قوات محلية تخدم مشروعه الانفصالي، وهو ما أدخلها في مواجهة متصاعدة مع الحكومة اليمنية ومع السعودية التي قصفت في ديسمبر 2025 شحنة أسلحة قالت إنها مرتبطة بالإمارات ومتجهة إلى حلفائها.

وفي ليبيا، حافظت أبوظبي على دعم حفتر وسلطته الموازية، فيما أظهرت حرب السودان كيف يمكن استخدام المناطق الخاضعة له ممراً لدعم ميليشيا أخرى.

يتكرر الأسلوب نفسه في أكثر من دولة: علاقات مباشرة مع قوى محلية مسلحة أو انفصالية، وتمويل خارج مؤسسات الدولة، واستثمارات في الموانئ والمناطق الاستراتيجية، ثم استخدام هذه الشبكات لفرض نفوذ إماراتي يتجاوز الحكومات والسيادة الوطنية.

لهذا قرأت الجزائر التحركات المحيطة بها باعتبارها جزءاً من نمط ثابت، وقررت إغلاق الباب قبل أن تتمكن أبوظبي من بناء أدوات مماثلة داخل المجال الجزائري.

 هل كانت مخاوف الجزائر مبررة؟

لم تكشف الجزائر حتى الآن الملف الكامل الذي دفعها إلى قطع العلاقات، كما لم تقدم تفاصيل علنية عن الاتصالات الإماراتية المزعومة بحركة «ماك». غير أن غياب هذه التفاصيل لا يلغي السياق الذي جعل المخاوف الجزائرية معقولة.

أبوظبي تدعم المغرب في قضية الصحراء الغربية، وترتبط بتحالف وثيق مع إسرائيل، وتقيم علاقات مع قوى عسكرية في ليبيا والساحل، وتملك سجلاً موثقاً في دعم جماعات مسلحة وانفصالية داخل دول عربية وأفريقية. وقد تزامن تمددها حول الجزائر مع تراجع علاقات الجزائر بعدد من جيرانها وتصاعد التهديدات على حدودها.

كانت الجزائر تستطيع الاستمرار في توجيه التحذيرات وانتظار ظهور أزمة أمنية مباشرة، لكنها اختارت قطع العلاقات وإغلاق الأجواء باعتبارهما إجراءين وقائيين. وهذا القرار يعكس قناعة بأن تكلفة استمرار الوجود والنفوذ الإماراتيين أصبحت أعلى من تكلفة القطيعة.

ولا ينبغي تفسير الموقف على أنه حساسية جزائرية من نفوذ دولة خليجية صغيرة، لأن حجم الدولة لا يحدد قدرتها على إحداث الأزمات. فقد استخدمت الإمارات ثروتها وشركاتها وموانئها وصفقات السلاح وعلاقاتها الغربية لتصبح فاعلاً يتجاوز حجمها الجغرافي، واستثمرت هذه الأدوات في دعم مشاريع خلّفت الانقسام والحرب من اليمن إلى السودان وليبيا والصومال.

 الجزائر تقطع الطريق على أبوظبي

يمثل قرار سبتمبر 2026 نهاية مرحلة حاولت فيها الجزائر احتواء الخلاف وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وبداية سياسة تقوم على التعامل مع الإمارات باعتبارها تهديداً يحتاج إلى الردع والعزل.

قطع العلاقات يوقف الغطاء الدبلوماسي الرسمي للنشاط الإماراتي، وطرد السفير يقلص قدرة أبوظبي على إدارة اتصالاتها داخل البلاد، وإلغاء اتفاق النقل الجوي وإغلاق المجال أمام الطائرات الإماراتية يحرمها من امتياز استراتيجي وجغرافي مهم في شمال أفريقيا.

كما يوجه القرار رسالة إلى المغرب ودول الساحل وإسرائيل بأن الجزائر لن تتعامل بصمت مع أي شبكة إقليمية تستهدف أمنها أو وحدة أراضيها، وأن قدرتها على الصبر لا تعني قبولها بتحويل حدودها إلى ساحة لتحركات أبوظبي.

لقد حاولت الإمارات تقديم نفسها في المنطقة باعتبارها دولة استثمار وتنمية واستقرار، لكن الجزائر رأت خلف هذه الصورة شبكة من المال السياسي والتحالفات العسكرية والعلاقات مع الانفصاليين والقوى المسلحة. ومن حفتر في ليبيا إلى دعم الموقف المغربي في الصحراء الغربية، ومن التوسع في الساحل إلى الاتهامات بالتواصل مع حركة «ماك»، تراكمت الأسباب حتى أصبحت القطيعة النتيجة المنطقية.

لم تغلق الجزائر سفارة أو مجالاً جوياً بسبب خلاف عابر، وإنما أغلقت الباب أمام دولة ترى أن نفوذها يُبنى بإضعاف الدول الأخرى وتغذية الانقسامات داخلها. وبعد سنوات من التحذيرات، قررت الجزائر ألا تنتظر وصول النار التي أشعلتها أبوظبي في ليبيا والسودان واليمن إلى أراضيها.