في تصعيد خطير للمواجهات العسكرية في السودان، أعلن الجيش السوداني تحقيق تقدم ميداني في محاور القتال بمدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في حين ردت قوات الدعم السريع، المدعومة من دولة الإمارات، بقصف عشوائي استهدف أحياء المدينة وأسفر عن وقوع ضحايا بين المدنيين، في مشهد يعكس فشل الجهود الدولية لاحتواء الصراع الدامي المستمر منذ أكثر من عام.

تقدم ميداني للجيش في الفاشر
وأكدت مصادر عسكرية تابعة للجيش السوداني أن قواته أحرزت تقدماً في عدة محاور بالجهة الشرقية والغربية من مدينة الفاشر، بعد معارك ضارية مع قوات الدعم السريع.
ويأتي هذا التقدم في إطار عملية عسكرية واسعة أطلقها الجيش مؤخراً لاستعادة السيطرة على المدن الكبرى في إقليم دارفور، والتي شهدت خلال الأشهر الماضية تدهوراً أمنياً خطيراً بسبب سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة منها.
وبحسب المصادر، فإن قوات الجيش استطاعت دحر وحدات من الدعم السريع خارج بعض أحياء المدينة، وسط استمرار الاشتباكات بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة.
وأكدت القيادة العسكرية أن الهدف الأساسي من العمليات هو “تأمين المدنيين وإعادة فرض هيبة الدولة”، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الدولية من وقوع كارثة إنسانية بسبب الحصار ونقص الغذاء والدواء في المناطق المنكوبة.
قصف مدفعي على الفاشر والأبيض
في المقابل، لجأت قوات الدعم السريع، التي يقودها محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي”، إلى استخدام سلاح المدفعية لقصف الأحياء السكنية في مدينة الفاشر، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، بينهم نساء وأطفال، وفق ما أفادت به مصادر محلية وشهود عيان.
وأشارت التقارير إلى أن القصف طال مناطق قريبة من الأسواق والمساجد، مما زاد من عدد الإصابات في صفوف السكان خلال أول أيام عيد الفطر.
كما لم تسلم مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، من نيران الدعم السريع، حيث استهدفتها القوات المدعومة إماراتياً بقصف مدفعي عقب صلاة العيد مباشرة، وأسفر الهجوم عن مقتل فتاة وإصابة عدد من المدنيين.
وانتشرت صور ومقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر مشاهد مروعة للضحايا والدمار الذي لحق بالمنازل والمرافق العامة.
هذا السلوك يعيد إلى الواجهة الاتهامات الموجهة للإمارات بدعم ميليشيات الدعم السريع عسكرياً ومالياً، حيث تشير تقارير أممية وصحفية إلى تزويد أبو ظبي لحميدتي بالأسلحة والمعدات العسكرية عبر طرق غير شرعية، وهو ما ساهم في إطالة أمد الصراع وتغذية الفوضى في السودان، رغم الإنكار الرسمي من الجانب الإماراتي.
انسحاب تكتيكي وتصريحات نارية لحميدتي
وفي تطور لافت، اعترف حميدتي لأول مرة بانسحاب قواته من العاصمة الخرطوم، قائلاً في رسالة صوتية بثها على تليغرام: “في الأيام السابقة حصل انسحاب لتموضع القوات في أم درمان، في قرار وافقت عليه القيادة وإدارة العمليات”، مضيفاً أن الانسحاب لا يعني الهزيمة، بل “إعادة ترتيب للعودة أقوى مما سبق”.
وجاءت تصريحات حميدتي بعد تأكيدات الجيش السوداني بسيطرته الكاملة على مدينة الخرطوم، في خطوة وُصفت بأنها تحول نوعي في سير المعركة لصالح القوات النظامية.
كما أكد حميدتي أن لا تفاوض ولا اتفاق مع الجيش، واصفاً إياه بـ”الحركة الشيطانية”، ومشدداً على أن “لغة البندقية” هي الوسيلة الوحيدة للتعامل معه.
بالمقابل، أعلن رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان أن لا سبيل لإنهاء الحرب إلا بإلقاء الدعم السريع لسلاحه، مؤكداً في خطاب متلفز بمناسبة عيد الفطر أن قواته “ستقاتل حتى تحقيق النصر والقضاء على التمرد”، واصفاً الحرب بأنها “الأسوأ في تاريخ السودان الحديث”، محذراً من خطورة استمرار التمرد المسلح على وحدة واستقرار البلاد.
الإمارات في دائرة الاتهام مجدداً
تأتي هذه التطورات في ظل تصاعد الانتقادات الدولية والإقليمية للدور الإماراتي في الأزمة السودانية، حيث تتهم أبو ظبي بإرسال شحنات من السلاح والدعم اللوجستي إلى قوات الدعم السريع، خاصة من خلال قاعدة “عصب” في إريتريا، التي يُعتقد أنها محطة لنقل الأسلحة إلى دارفور.
وقد سبق أن نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” وتحقيقات أخرى لمنظمات حقوقية، أدلة على تورط الإمارات في تغذية الصراع عبر الدعم غير المباشر لحميدتي، وهو ما ساهم في زيادة الانتهاكات ضد المدنيين وتفاقم الأزمة الإنسانية.
ويعتبر الدعم الإماراتي أحد العوامل التي تعقّد فرص التوصل إلى حل سلمي، في ظل إصرار القوى الإقليمية على حماية مصالحها في السودان بغض النظر عن كلفة ذلك على الشعب السوداني.
أزمة ممتدة ومعاناة إنسانية
ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، قُتل أكثر من 20 ألف شخص، وتسببت الحرب في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث نزح نحو 15 مليون سوداني داخلياً أو لجأوا إلى دول الجوار، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.
ومع استمرار العمليات العسكرية، يبدو أن معاناة السودانيين مرشحة للتفاقم في ظل غياب إرادة دولية حقيقية لإنهاء النزاع، واستمرار التدخلات الخارجية التي تؤجج الصراع.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى المدنيون في السودان هم الحلقة الأضعف، في حربٍ تدور رحاها بين أطراف داخلية وأجندات إقليمية، بينما العالم يكتفي بالقلق والتنديد دون خطوات عملية لإيقاف حمام الدم.
اقرأ أيضًا : الجيش السوداني يعلن “تطهير الخرطوم”.. خسارة جديدة للإمارات