أعلن الجيش السوداني، نجاح قواته في دخول مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان، بعد حصار استمر قرابة عامين فرضته ميليشيا الدعم السريع المتحالفة مع الحركة الشعبية/ شمال.

وقال الجيش في بيان رسمي إن العملية العسكرية التي نُفذت أسفرت عن فتح الطريق المؤدي إلى المدينة، ودحر عناصر الميليشيا التي عملت على تعطيل حركة المواطنين والإمدادات، واستهداف الأمن والاستقرار في المنطقة.

تفاصيل العملية ورسائل الميدان

بحسب بيان الجيش، تكبدت ميليشيا الدعم السريع خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، فيما فرّ من تبقى من عناصرها تحت ضربات القوات المسلحة والقوات المساندة. وأكد البيان أن العملية عكست “الجاهزية العالية والانضباط والقدرة على الحسم في مختلف المحاور”، مجددًا تعهد الجيش بالمضي قدمًا في “تطهير البلاد من دنس المليشيا” حتى تحقيق الأمن والاستقرار.

ميدانيًا، أفاد شهود عيان بدخول وحدات من الجيش إلى الدلنج بعد معارك عنيفة، مشيرين إلى خروج أعداد كبيرة من السكان لاستقبال القوات، في مشهد احتفالي عكس حجم المعاناة التي عاشتها المدينة خلال فترة الحصار.

مدينة أنهكها الحصار

فُرض الحصار على الدلنج منذ كانون الثاني/يناير 2024، ما تسبب في أزمة خانقة في الغذاء والدواء، وتعطل الخدمات الصحية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية. ومع انقطاع طرق الإمداد، واجه المرضى أوضاعًا مأساوية نتيجة نقص الأدوية المنقذة للحياة، فيما اضطرت عائلات كثيرة للاعتماد على بدائل محدودة للبقاء.

كسر الحصار لا يُعد مجرد تقدم عسكري، بل يمثل انفراجًا إنسانيًا طال انتظاره، ويعيد ربط المدينة بمحيطها بعد عزلة قاسية.

الدلنج في قلب صراع كردفان

تأتي هذه التطورات في سياق اشتباكات متصاعدة تشهدها ولايات إقليم كردفان الثلاث خلال الأسابيع الأخيرة. وتكتسب الدلنج أهمية استراتيجية بوصفها عقدة طرق حيوية بين جنوب وغرب السودان، إضافة إلى ثقلها السكاني.

نجاح الجيش في فك الحصار يعزز موقعه الميداني في الإقليم، ويقوض قدرة المليشيا على فرض وقائع بالقوة، خصوصًا في المناطق التي راهنت عليها كعمق لوجستي.

الميليشيا الإماراتية وتبدد الرهان

يكتسب فك حصار الدلنج دلالة سياسية تتجاوز الميدان، إذ يُنظر إلى ميليشيا الدعم السريع على نطاق واسع بوصفها أداة عسكرية مدعومة إماراتيًا، ضمن مشروع إقليمي يسعى لتكريس نفوذ عبر الفوضى والميليشيات.

الهزيمة في الدلنج تمثل انتكاسة جديدة لهذا الرهان، وتكشف محدودية قدرة المليشيا—رغم الدعم الخارجي—على الصمود أمام عمليات عسكرية منظمة، خصوصًا مع تنامي الرفض الشعبي لوجودها وانتهاكاتها بحق المدنيين.

صمت المليشيا وحسابات اللحظة

حتى الآن، لم يصدر تعليق فوري من قوات الدعم السريع أو الحركة الشعبية/ شمال بشأن خسارة الدلنج. هذا الصمت يعكس، وفق مراقبين، ارتباكًا ميدانيًا ومحاولة لإعادة ترتيب الصفوف بعد ضربة موجعة في منطقة حساسة.

في المقابل، يراهن الجيش على استثمار الزخم الحالي لتأمين الطرق وفتح ممرات إنسانية، بما يخفف من معاناة السكان ويعزز الثقة الشعبية.

حرب مستمرة وكلفة إنسانية باهظة

منذ نيسان/أبريل 2023، يخوض الجيش السوداني مواجهات مفتوحة مع ميليشيا الدعم السريع على خلفية خلافات تتعلق بتوحيد المؤسسة العسكرية. وأسفر الصراع عن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالميًا، مع مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص، واندلاع مجاعة في مناطق واسعة.

في هذا السياق، يُعد فك حصار الدلنج محطة مفصلية تُعيد طرح سؤال مستقبل الحرب، وحدود قدرة المليشيات المدعومة خارجيًا على فرض أجنداتها بالقوة، في مواجهة جيش يسعى لاستعادة السيطرة وبسط سلطة الدولة.

ما بعد الدلنج

يبقى التحدي الأكبر في تثبيت المكاسب الميدانية، وتأمين المدينة من أي محاولات التفاف، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية سريعًا. غير أن الرسالة الأوضح من الدلنج هي أن ميزان القوى قابل للتغير، وأن مشروع الميليشيا الإماراتية في جنوب كردفان تلقى ضربة قاسية، قد تكون مقدمة لتحولات أوسع في مسار الصراع السوداني.

اقرأ أيضًا : الأونروا: غزة أخطر بقاع الأرض على الصحفيين بسبب إجرام الاحتلال