أثار رجل الأعمال الإماراتي البارز خلف أحمد الحبتور سؤالًا محرجًا للنظام الإماراتي نفسه، عندما علّق على تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي دعا قوات الاحتلال إلى قتل “30 أو 40” فلسطينيًا في غزة كل ليلة، وذهب إلى وصف الفلسطينيين بأنهم “لا يستحقون الحياة” و“ليسوا بشرًا”.

الحبتور، وهو من أبرز رجال الأعمال في الإمارات ومن الشخصيات القريبة من دوائر النخبة في دبي وأبوظبي، كتب على منصة “إكس” مستنكرًا أن يخرج وزير في الحكومة الإسرائيلية أمام العالم “بلا خجل” داعيًا إلى قتل عشرات الفلسطينيين يوميًا، ومتحدثًا عن الناس كأنهم “لا يستحقون الحياة”. وسأل: أي عقل يمكن أن يقبل هذا الخطاب؟

لكن أهمية كلام الحبتور لا تكمن فقط في إدانته لتصريحات بن غفير، بل في موقع الرجل نفسه. فهو ليس ناشطًا معارضًا للتطبيع، ولا صوتًا فلسطينيًا أو عربيًا من خارج المؤسسة الخليجية، بل رجل أعمال إماراتي كبير دافع سابقًا عن اتفاقات أبراهام وروّج لفكرة أن التطبيع العربي مع إسرائيل يمكن أن يدفعها إلى الاعتدال وتقديم تنازلات للفلسطينيين.

اليوم، بعد سنوات من التطبيع، يجد أحد أبرز المدافعين عنه نفسه أمام الحقيقة التي حاولت الإمارات دفنها بالدعاية والصفقات: إسرائيل لم تصبح أكثر اعتدالًا، بل ازدادت وحشية. لم يتحول التطبيع إلى بوابة سلام، بل تحول إلى غطاء سياسي واقتصادي لنظام إسرائيلي يواصل قتل الفلسطينيين، وتوسيع الاستيطان، وتعميق الأبارتهايد، وشن الحروب في المنطقة.

الحبتور كتب بوضوح: إذا كان مسؤول في الحكومة الإسرائيلية يستطيع أن يتحدث بهذه الطريقة علنًا، دون خجل أو خوف من المحاسبة، فكيف يُطلب منا في الوقت نفسه أن نتحدث عن السلام والمفاوضات والتعايش؟ هذا السؤال يضرب قلب الرواية الإماراتية عن التطبيع. فكيف يمكن الحديث عن “السلام الإبراهيمي” بينما يدعو وزير إسرائيلي إلى قتل الفلسطينيين كل ليلة؟ وكيف يمكن الكلام عن “التعايش” مع حكومة ينظر أحد وزرائها إلى أطفال غزة ونسائها ورجالها كأنهم ليسوا بشرًا؟

لكن السؤال الأكبر ليس موجّهًا إلى بن غفير وحده، بل إلى أبوظبي. ماذا فعلت الإمارات أمام هذا الانحدار؟ هل علّقت العلاقات؟ هل استدعت السفير الإسرائيلي؟ هل أوقفت التجارة؟ هل استخدمت نفوذها الاقتصادي؟ هل طالبت بعقوبات؟ لا شيء من ذلك.

الحبتور نفسه لم يطرح خطة لمواجهة إسرائيل، ولم يدعُ الإمارات إلى تعليق علاقاتها أو فرض عقوبات أو استخدام وزنها التجاري والمالي. اكتفى بالإدانة الأخلاقية، وهذا بحد ذاته يكشف حدود الغضب المسموح به داخل النموذج الإماراتي: يمكن إبداء الانزعاج من تصريح فاشي، لكن دون الاقتراب من أصل المشكلة، وهو استمرار العلاقة الإماراتية الإسرائيلية وكأن شيئًا لم يحدث.

فالوقائع تقول إن ما يقرب من ثلاث سنوات من الإبادة في غزة لم يدفع الإمارات إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية أو التجارية أو الأمنية مع إسرائيل. أبوظبي لا تزال أكبر شريك تجاري عربي لإسرائيل، وبلغ حجم التجارة الثنائية بينهما 3.2 مليار دولار في 2025، حتى بينما كانت إسرائيل تواصل قتل الفلسطينيين في غزة بعد توقيع وقف إطلاق النار مع حماس في أكتوبر الماضي.

هذه ليست تفاصيل تجارية عادية. هذا هو وجه التطبيع الحقيقي: دم فلسطيني على الأرض، وصفقات مستمرة في الموانئ والمكاتب والبنوك والأسواق. بينما يقتل الاحتلال الفلسطينيين، تبقى الإمارات قناة اقتصادية مفتوحة مع تل أبيب. وبينما يتحدث بن غفير عن قتل عشرات المدنيين كل ليلة، تبقى العلاقات الإماراتية الإسرائيلية قائمة، محمية بخطاب بارد عن “السلام” و“المصالح” و“الاستقرار”.

كان الحبتور قد كتب عام 2020 دفاعًا عن اتفاقات أبراهام، معتبرًا أن ارتباط إسرائيل بجيرانها العرب على مستويات متعددة سيجعلها أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات. تلك كانت إحدى أكبر الأكاذيب التي رافقت التطبيع الإماراتي: فكرة أن الاعتراف العربي المجاني بإسرائيل سيجعلها أقل عدوانية. ما حدث هو العكس تمامًا.

منذ ذلك الوقت، ارتكبت إسرائيل إبادة في غزة، وعمّقت نظام الأبارتهايد في الضفة الغربية المحتلة، ووسعت الاستيطان غير القانوني بوتيرة قياسية، وهاجمت واحتلت أجزاء من لبنان وسوريا، وقصفت قطر واليمن والعراق، ودفعت الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران أغرقت المنطقة في الفوضى وألحقت أضرارًا اقتصادية عالمية.

أي “اعتدال” أنتجه التطبيع؟ وأي “تنازلات” حصل عليها الفلسطينيون؟ لم يحصل الفلسطينيون إلا على مزيد من القتل والحصار والتجويع والتهجير، بينما حصلت إسرائيل على سفارات، وتجارة، واستثمارات، وتعاون أمني، وغطاء عربي رسمي لم تكن تحلم به.

تصريحات بن غفير ليست حادثًا معزولًا ولا زلة لسان. هي تعبير صريح عن روح الحكومة الإسرائيلية الحالية، وعن منطق الاحتلال تجاه الفلسطينيين. لكن الفضيحة هنا أن الإمارات لم تكن ضحية خداع. أبوظبي كانت تعرف طبيعة إسرائيل جيدًا، ومع ذلك اختارت أن تمنحها اعترافًا مجانيًا، وأن تفتح لها أبواب الخليج، وأن تقدم التطبيع كإنجاز تاريخي.

وحين يقول الحبتور اليوم إن أهل غزة بشر، وإن أطفالهم ونساءهم ورجالهم بشر، وإن لهم الحق نفسه في الحياة والكرامة، فهو لا يوجه إدانة لبن غفير فقط، بل ينسف الأساس الأخلاقي الذي حاولت الإمارات بناءه حول التطبيع. فلو كان الفلسطينيون بشرًا فعلًا في حسابات أبوظبي، لما استمرت العلاقة مع إسرائيل بهذا الشكل بعد كل هذه الجرائم.

الأخطر أن تدخل الحبتور نفسه، في دولة تسيطر بشدة على التعبير العام، لا يمكن قراءته كتعليق شخصي عابر فقط. في الإمارات، لا يتحدث رجال الأعمال الكبار والشخصيات القريبة من النخبة الحاكمة في ملفات حساسة كهذه بسهولة. لذلك فإن كلامه يكشف على الأقل حجم الحرج الذي بدأت تسببه إسرائيل حتى داخل الدوائر التي دافعت عن التطبيع وروّجت له.

لكن الحرج شيء، وتغيير السياسة شيء آخر. الإمارات بارعة في إدارة الحرج. تدين تصريحًا، تنشر عبارة إنسانية، تتحدث عن أطفال غزة، ثم تواصل التجارة والتنسيق والعلاقات. هذه هي اللعبة الإماراتية منذ بداية الإبادة: خطاب إنساني في العلن، وعلاقة استراتيجية مع إسرائيل في الواقع.

وليست هذه المرة الأولى التي يخرج فيها الحبتور بانتقاد مرتبط بسياسات الحرب. ففي مارس، بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بجرّ شركاء واشنطن في الخليج إلى الخطر، وبخيانة الأمريكيين عبر وضع الحرب على رأس أولوياته. لكن حتى ذلك الموقف لم يتحول إلى موقف إماراتي رسمي يراجع التحالفات أو يسائل كلفة الارتهان لواشنطن وتل أبيب.

ما تكشفه هذه الواقعة أن التطبيع الإماراتي وصل إلى لحظة ارتباك أخلاقي وسياسي. فالذين قالوا إن التطبيع سيجعل إسرائيل أكثر قبولًا وسلامًا، يشاهدون اليوم وزيرًا إسرائيليًا يدعو علنًا إلى قتل عشرات الفلسطينيين كل ليلة. والذين باعوا اتفاقات أبراهام كطريق إلى الاستقرار، يرون إسرائيل تشعل المنطقة من غزة إلى لبنان وسوريا وقطر واليمن والعراق وإيران. والذين تحدثوا عن “السلام”، لا يملكون اليوم إلا منشورات غضب لا تمس جوهر العلاقة.

الإمارات لا تستطيع الادعاء بأنها فوجئت. بن غفير لم يهبط من السماء. هو نتاج مشروع سياسي إسرائيلي قائم على التفوق اليهودي، والاستيطان، وإنكار الوجود الفلسطيني. وما قاله بصراحة يقوله الاحتلال بالفعل بالقصف والحصار والتجويع منذ سنوات.

لذلك، فإن السؤال ليس: لماذا قال بن غفير ذلك؟ السؤال الحقيقي: لماذا تستمر الإمارات في علاقتها مع نظام يضم بن غفير ونتنياهو وغالانت وسموتريتش؟ ولماذا تبقى التجارة مفتوحة مع إسرائيل بينما يطالب وزراؤها بقتل الفلسطينيين ليلًا؟ ولماذا يظل التطبيع الإماراتي قائمًا بعدما ثبت أنه لم يحمِ فلسطينيًا واحدًا، ولم يوقف مستوطنة واحدة، ولم يمنع إبادة غزة؟

تصريحات الحبتور تفضح فشل التطبيع من داخله. أحد المدافعين عنه سابقًا بات يسأل اليوم كيف يمكن الحديث عن السلام مع حكومة تدعو إلى قتل الفلسطينيين. لكن الإدانة لا تكفي. فالسلام الذي لا يوقف الإبادة ليس سلامًا، والتطبيع الذي لا يردع الاحتلال ليس اعتدالًا، والشراكة التي تستمر رغم الدعوة إلى قتل الأطفال ليست سياسة واقعية، بل تواطؤ مغطى بكلمات ناعمة.

الإمارات أرادت أن تقدم نفسها كدولة “سلام” و“تسامح” و“تعايش”. لكن اختبار غزة كشف الحقيقة: حين صار الفلسطينيون يُقتلون علنًا، وحين صار وزراء الاحتلال يدعون إلى قتلهم كل ليلة، لم تفعل أبوظبي ما تفعله الدول الجادة، بل اكتفت ببقاء العلاقات مفتوحة. وهنا تسقط الدعاية كلها.

الحبتور سأل: كيف نتحدث عن السلام مع من يقول إن الفلسطينيين لا يستحقون الحياة؟

والإجابة التي لا تريد أبوظبي سماعها واضحة: لا يمكن. إلا إذا كان السلام في قاموس الإمارات يعني التطبيع مع القاتل، والتجارة معه، ثم الاكتفاء بالاستغراب عندما يعلن نواياه بصوت عالٍ.