الحديث عن سلام دائم بين إسرائيل والفلسطينيين تحول عبر عقود إلى شعار يُلوّى على رقاب الضحايا، لا إلى خطة قابلة للتطبيق. تجارب الماضي القريب تحمل دروسًا صارخة: كل وعد غربي بسلام «نهائي» انتهى بمرحلة أطول من الدم والدمار، وبظهور أعداء جدد أشدّ عنفًا وأكثر تطرفًا مما سبق. المقارنة بين بيروت 1982 وغزة 2023–2025 ليست تماثلًا حرفيًا، لكنها أكثر من مجرد استعارة؛ هي سجلّ منطق واحد يكرر نفسه بوجوه جديدة وأسماء مختلفة، بينما تبقى النتائج نفسها: صعود التطرف، تذرّع الغرب بالتذرعات السياسية، واستثمار الحروب في إعادة ترتيب مراكز النفوذ الإقليمي.

الرئيس الأمريكي رونالد ريغان رفع الهاتف يومها إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن وقد بدت صور الجرحى والأطفال على شاشات التلفزيون كقنبلة سياسية محدثة ارتجاجًا في واشنطن. القرار الأمريكي آنذاك لم يكن منطلقًا إنسانيًا فطريًا، بل تحفظًا على أثر الصورة الإعلامية في الرأي العام الغربي. اليوم، صور أطفال هلكتهم المجاعة في غزة أبلغت رئيسًا أمريكيًا آخر بضرورة كبح جماح الهجوم الإسرائيلي، لكن دوافع التدخّل الأمريكية متشابهة: إدارة أضرار العلاقات العامة، حماية مصالح استراتيجية، وتجنب انعكاسات سلبية على قواعد انتخابية داخلية. هذا النمط يجعل من واشنطن لاعبًا لا وسيطًا، وممولًا لا مُنقذًا، ولا بُنية مؤهلة لفرض سلام عادل ومستدام على حساب الضحية.

أما ما حدث في بيروت كان درساً في كيف يولّد التدخّل العسكري نتائج عكسية طويلة الأجل. إخراج فصائل المقاومة من بيروت وتفريقها عبر البلدان لم يضع حدًا للمعارضة؛ بل أنتج فراغًا سُدَّته قوى أكثر تشددًا، وانبثق من رحم الفوضى حزبٌ مسلّح يُدعى «حزب الله»، صار لاعبًا إقليميًا يغيّر موازين القوى في جنوب لبنان وفي العلاقة مع إسرائيل لعقود. غزة اليوم تشهد ركامًا أكبر وأعدادًا أكثر ضحايا، واندثارًا لمجتمعات بكاملها. نزع سلاح الفصائل بالقوة، أو إجبارها على المنفى أو التفكيك، لا يعالج جذور الصراع. عمليات الإقصاء والتصفية تنقش طريقًا صلبًا أمام قوى إيديولوجية عنيفة، تملأ فراغ المشروعية التي خلّقها إضعاف النُخب الوطنية والعلمانية.

الوسائل الإعلامية الحديثة غيّرت موازين التأثير. الثورة الرقمية جعلت من كل مشهد دموي مادة لا تُنسى على شبكات التواصل؛ صورٌ تُبثّ على الهواء مباشرة، مقاطع فيديو هاتفية تهزّ مشاعر ملايين المشاهدين، وتقلب المزاج العام في عواصم القرار. هذا العامل دفع إدارة ترامب إلى التسريع في الدفع باتجاه خطة منقولة كإنجاز دبلوماسي على أساس حسابات سياسية داخلية وخارجية. لكن التسرّع في صناعة صفقة سياسية تحت وطأة الضغوط الإعلامية لا يُنقذ مدنًا مدفونة تحت الأنقاض، ولا يضع آليات عادلة للحكم، بل يخلط بين إدارة أزمة مؤقتة وإيجاد حلّ سياسي دائم يرتكز على حقوق الشعب الفلسطيني.

المعالجة الغربية للأزمة تفتقد بوصلة العدالة. الحلول التي تُصاغ بعيدًا عن الحقوق المشروعة لا تُطفئ جذوة الغضب؛ بل تُحوّل الصراع من مواجهة وطنية إلى دورة من القمع والثأر. الولايات المتحدة وأوروبا لم تتعلّم الدرس؛ الشريك الذي يمد سلاح القتل بمعظمه ثم يتظاهر بالمانح لإعادة الإعمار لا يُعدّ مؤهلاً لقيادة عملية سلام نزيهة. الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، مع عجز حقيقي عن مساءلة انتهاكات القوانين الدولية، يرسّخ الانطباع أن السياسة الغربية لا تستند إلى قيم حقوقية ثابتة، بل إلى موازين مصالح وانتقائية في تطبيق المعايير.

أما خطط «الإعمار» تصاحبها شروط سياسية تُكبّل الحق الفلسطيني في الحكم الذاتي وتفرض ترتيبات أمنية تحفظ حصرية السيطرة لصالح الاحتلال وحلفائه. هذه الشروط تجعل من الإعمار مسرحًا لاستمرارية الاحتلال بواجهة إنسانية، لا خطوة نحو الحرية والكرامة.

خريطة النتائج التي تتكرر عبر الزمن واضحة: تصفية أطراف فاعلة من الساحة السياسية تُضعف خيارات التمثيل الوطني، وتفتح بابًا أمام قوى خارجية أو قومية متطرفة لملء الفراغ. سياسة «التدمير ثم البناء» لا تولد استقرارًا، بل تولّد اقتصادًا سياسيًا جديدًا يربح من الخراب: شركات إعادة إعمار، عقود أمنية، تدفقات تمويلية تُغذّي شبكات نفوذ جديد. الفلسطيني الذي يُعاد توظيفه كعنصر تفاوضي في صفقات إنمائية لن يرى دولة مستقلة، لأن من يملك مفاتيح الإعمار هم أنفسهم الذين امتلكوا أدوات التدمير.

الدرس الحقيقي الذي يجب استخلاصه اليوم يرتبط بفكرة أن السلام الدائم لا يمكن فرضه عبر فرضية التفكيك بالقوة، ولا عبر مقايضات إنمائية تُقصي صاحب الحق. السلام العادل يبدأ بإقرار الحقوق: حق العودة، حق تقرير المصير، إنهاء الاحتلال، محاسبة الجناة. دون هذه الخطوات يبقى أي «سلام» مسجلاً في سجلات الخداع السياسي، مقدمًا كمؤقت مفروض على شعوب ما، ومستمرًا في إنتاج مقاومة أشد عنفًا على المدى المتوسط والبعيد.

أمام هذا السجل التاريخي، يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية لا تبرير لعدم فعله؛ صمت المؤسسات العالمية أو توافقها الجزئي مع سياسات الاحتلال يجعل منها شريكًا في الاستمرارية الإجرامية. لا تكفي البيانات الدبلوماسية أو الوعود بالمساعدات المالية. لا بد من إجراءات عملية: إيقاف إمدادات السلاح غير المشروعة، فتح تحقيقات مستقلة في انتهاكات القانون الدولي، دعم مؤسسات مدنية فلسطينية حقيقية، وضمان مشاركة فلسطينية كاملة في كل مرحلة من مراحل إعادة الإعمار والإدارة الانتقالية، إن وجدت إمكانية لوجودها.

الختام لا يمكن أن يبتعد عن حقيقة مريرة: السلام الذي لا يرتكز على العدالة سيولِّد مستقبلًا أكثر قتامة. وقائع بيروت 1982 نموذج حيّ يحذر من العجلة في «تهدئة» القنابل بصفقات سياسية، ومن ثمّة استبدال الحل السياسي الفعلي بأشكال مضبوطة من الإدارة الدولية للخراب. الفلسطينيون ليسوا رقمًا في دفتر موازنات إعادة الإعمار، ولا مادةً للمناورات الإعلامية الانتخابية. عهد الخداع الإعلامي والصفقات المؤقتة يجب أن ينتهي بتغيير حقيقي في موازين القوة على الأرض، وإن لم يحدث ذلك فالعالم محكوم بأن يرى تكرارًا لذات المشاهد: أطفالًا يموتون، مدنًا تُسوى بالأرض، ووعودًا تُلقى في سلة التاريخ مع سبق الإصرار.