ترجمة عن مقال للكاتب الصحفي أوين جونز في صحيفة الغارديان

خلصت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة إلى أنّ ما يجري في غزة هو إبادة جماعية مكتملة الأركان، وهو استنتاج لم يكن مفاجئًا في ظل التصريحات العلنية المتكررة لقادة الكيان المحتل عن نيتهم محو غزة بالكامل، حيث صرّح وزير المالية في حكومة الاحتلال بتسلئيل سموتريتش في الربيع الماضي بأن غزة «ستُدمَّر كليًّا»، فيما تفاخر رئيس حكومتهم بنيامين نتنياهو بأنهم «يدمرون المنازل بلا توقف بحيث لا يبقى للفلسطينيين أي مكان يعودون إليه».

رغم ذلك، أصدر نائب زعيم حزب العمال البريطاني ووزير الخارجية السابق ديفيد لامي بيانًا يؤكد فيه أنّ حكومته «درست بعناية مخاطر الإبادة الجماعية» لكنها لم تصل إلى نتيجة تفيد بأن هناك نية للإبادة. هذا التناقض الفج لا يعبّر عن خلاف في تقييم الأدلة، بل عن محاولة للهروب من الاعتراف بالتواطؤ المباشر في الجرائم، خاصة وأن البيان وُجّه إلى رئيسة لجنة التنمية الدولية في البرلمان سارة تشامبيون.

على مستوى السياسة الخارجية والعسكرية، تسير بريطانيا جنبًا إلى جنب مع الولايات المتحدة، الحليف الأبرز للكيان المحتل، إذ تواصل تزويده بمكونات أساسية للطائرات الحربية التي تحرق غزة وأهلها، وتسمح لطائراته المشاركة في القصف بالهبوط على أراضيها، وتستمر في تبادل المعلومات الاستخباراتية معه، وتشغّل طائرات استطلاع تجوب سماء غزة بلا توقف، بينما تمتنع عن فرض أي عقوبات حقيقية وتتيح تبادلًا تجاريًا سنويًا بمليارات الجنيهات.

وفي الوقت الذي يُكرَّم فيه رئيس كيان الاحتلال إسحق هرتسوغ بزيارة رسمية رغم تصريحاته العلنية التي تبرّر قتل الفلسطينيين جماعيًا، يُعتقل المئات من المتظاهرين السلميين الذين يرفعون لافتات تندد بالإبادة وكأنهم مجرمون خطرون. كل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لم تكن سوى استعراض شكلي هدفه تهدئة الرأي العام الغاضب، بينما الواقع أنّ معظم البريطانيين باتوا يرون أنّ ما يحدث جرائم حرب، ويطالبون بوقف تسليح المعتدي وفرض حظر شامل عليه، بل إن نسبة كبيرة تؤيد اعتقال قادته ومحاكمتهم.

ومع ذلك، اكتفى حزب العمال بفرض عقوبات رمزية على وزيرين من أكثر قادة الاحتلال تطرفًا، هما بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، وهي خطوة لا تأثير لها على آلة الحرب التي تواصل الإبادة، فيما كان الاعتراف الشكلي بدولة فلسطينية مجرد إشارة رمزية فارغة لا تعني شيئًا للفلسطينيين تحت القصف والركام.

الأرواح الفلسطينية تُعامَل على أنها أقل قيمة من العلاقات السياسية والتجارية مع المعتدي، وحتى على المستوى الإنساني الشخصي يتجلى هذا التجاهل بأبشع صوره، كما حدث مع اللاجئ الفلسطيني دالول الندر الذي فقد أسرته بأكملها تحت القصف الإسرائيلي، وحين توسّل لممثلة الحزب أنجيلا راينر التي كانت تعرفه شخصيًا وتربطه بها علاقة سابقة لطلب المساعدة في إنقاذ زوجته ورضيعته من الموت، تجاهلته تمامًا ثم أمرت بطرده بالقوة من اجتماع حزبي بعد أن وقف يحمل صور أمه المقتولة ويستجدي وقف المجازر، وكان في الاجتماع أيضًا النائب جوناثان رينولدز.

لو كان ما حدث معه قد وقع مع مواطن من كيان الاحتلال، لعمّت الفضيحة وسائل الإعلام البريطانية وتصدّرت نشراتها وصفحاتها الأولى، لكن لأن الضحية فلسطيني، عومل الأمر كأنّه تهديد للمسؤولين لا كصرخة إنسانية مكلومة.

الحكومة البريطانية تتنصل من الحقيقة لأنها تدرك أن الاعتراف بالإبادة يعني الاعتراف بالتواطؤ، ولهذا تصر على الإنكار مهما تراكمت الأدلة والدماء، لكن الحقيقة لا تختفي إلى الأبد، وستتكشّف عاجلًا أو آجلًا مهما حاولوا طمسها.