نشرت منصة دروب سايت نيوز تحقيقًا استقصائيًا يكشف الدور الخفي الذي لعبه رجل الأعمال الأميركي سيء السمعة جيفري إبستين في نسج وبناء علاقات عميقة ومعقدة بين النخب الإماراتية والإسرائيلية على مدى أكثر من عقد كامل، قبل أن تظهر هذه العلاقات إلى العلن رسميًا عبر ما عُرف لاحقًا باتفاقيات أبراهام. ويضع التحقيق هذه القصة في إطار أوسع يتمثل في الطموح الإماراتي المتصاعد للهيمنة الإقليمية، الممتد من الخليج إلى القرن الأفريقي وما وراءه، مع تركيز خاص على السيطرة على طرق الملاحة في البحر الأحمر، واستخدام أدوات المال والنفوذ والعلاقات السرية للوصول إلى مراكز القرار العالمية.

يشير التحقيق إلى أن الإمارات، خلال السنوات الأخيرة، لم تكتفِ بتعزيز شراكتها الاستراتيجية مع إسرائيل، بل دخلت في سلسلة تحركات إقليمية مثيرة للجدل، من بينها دعم مشروع انفصالي في إقليم صوماليلاند رغم الرفض الصريح من الحكومة الصومالية والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، إضافة إلى دعم محاولات انفصالية في جنوب اليمن، وهي التحركات التي أدت إلى توتر حاد مع السعودية عقب تدخل عسكري سريع مدعوم منها لإجهاض هذه المشاريع. ويرى التحقيق أن هذه السياسات ليست عشوائية، بل تأتي ضمن استراتيجية أوسع تعتمد على بناء شبكات نفوذ دولية، خصوصًا داخل الولايات المتحدة، وعلى شراكة أمنية واستخباراتية عميقة مع إسرائيل، سبقت الإعلان الرسمي عنها بسنوات طويلة.

ويؤكد التحقيق أن قصة صعود دولة صغيرة نسبيًا إلى هذا القرب من مركز القوة العالمي لم تُروَ كاملة من قبل، وأن جيفري إبستين كان أحد الفاعلين الأساسيين في هذا المسار، إذ لم يكن مجرد ممول أو شخصية مثيرة للفضائح، بل لعب دور الوسيط غير الرسمي والمستشار والعراب الذي ساعد نخبًا إماراتية على فهم آليات النفوذ في واشنطن، وعلى بناء جسور مباشرة مع النخب السياسية والأمنية الإسرائيلية.

يعتمد التحقيق على مراسلات خاصة لإبستين تمتد لأكثر من عشر سنوات، تكشف علاقته الحميمة بسلطان أحمد بن سليم، رئيس مجلس إدارة موانئ دبي العالمية، وأحد أقوى رجال الأعمال في الإمارات، والمقرّب من العائلات الحاكمة. ويبيّن التحقيق أن هذه العلاقة لم تكن علاقة عمل تقليدية، بل شراكة شخصية وسياسية وأمنية عميقة، تُظهر كيف ساهم إبستين في كشف الطريق أمام تطبيع العلاقات الإماراتية الإسرائيلية قبل أن يُعلن عنها رسميًا بعام واحد فقط من وفاته.

ويوضح التحقيق أن هذه السلسلة من التسريبات تأتي ضمن ملف أوسع تنشره المنصة حول الروابط الاستخباراتية والسياسية لإبستين، مؤكدة أن ما كُشف حتى الآن لا يمثل سوى جزء من شبكة أعقد من الاتصالات والصفقات والقنوات الخلفية التي ظلت تعمل بعيدًا عن الأضواء، وأن المزيد من الوثائق والمراسلات لا يزال قيد التحليل.

وفي سياق الأحداث الإقليمية الراهنة، يربط التحقيق بين هذا التاريخ السري وبين خطوة إسرائيل في السادس والعشرين من ديسمبر من عام ألفين وخمسة وعشرين، حين أصبحت أول دولة تعترف رسميًا بجمهورية صوماليلاند كدولة مستقلة، موقعة إعلانًا مشتركًا بروح اتفاقيات أبراهام. ويشير التحقيق إلى أن هذه الخطوة جاءت بعد أشهر من ضغوط علنية قادتها موانئ دبي العالمية، حيث دافع سلطان بن سليم علنًا عن الاعتراف بالإقليم، مستعرضًا استثمارات بمئات الملايين من الدولارات في ميناء بربرة، وهو ما أثار غضب الحكومة الصومالية وأدانته المنظمات الإقليمية، في حين عزز في الوقت ذاته موقع الإمارات اللوجستي والعسكري في المنطقة، بالتوازي مع بناء إسرائيل قاعدة عسكرية هناك لحماية مصالحها في البحر الأحمر من هجمات الحوثيين.

ويؤكد التحقيق أن هذا التطور ليس إلا حلقة جديدة في سلسلة العلاقة المتنامية بين تل أبيب وأبوظبي، وهي علاقة كان جيفري إبستين، خلال العقدين الأخيرين من حياته، أحد أهم جسورها غير الرسمية، من خلال صداقته الوثيقة بسلطان بن سليم وعلاقاته المتشعبة مع شخصيات إسرائيلية نافذة، في مقدمتها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك.

ويستعرض التحقيق اهتمام إبستين العميق بشركة موانئ دبي العالمية، التي تدير المنطقة الحرة في جبل علي، أحد أهم المراكز اللوجستية في الخليج، وأكثر الموانئ الأجنبية استخدامًا من قبل البحرية الأميركية. وبعد خروجه من السجن عام ألفين وتسعة على خلفية قضايا استغلال جنسي، تفاخر إبستين بعلاقته الوثيقة ببن سليم، مدعيًا نفوذًا واسعًا في موانئ حيوية في القرن الأفريقي، وخصوصًا ميناء جيبوتي، الذي وصفه بأنه جنة للتهريب، زاعمًا أن علاقته ببن سليم جعلته في موقع شبه إشرافي على هذا المرفق.

ورغم أن بعض هذه التصريحات بدت مبالغًا فيها، فإن التحقيق يؤكد أن العلاقة الشخصية الوثيقة بين الرجلين موثقة بسيل من الرسائل الإلكترونية التي حصلت عليها المنصة من لجنة الرقابة في الكونغرس الأميركي، ومن ملفات قضائية فيدرالية، إضافة إلى بريد إلكتروني مخترق لإيهود باراك، وقد جرى التحقق من هذه المواد عبر أرشيف متخصص في تسريبات الوثائق. وتُظهر هذه الرسائل أن العلاقة استمرت دون انقطاع تقريبًا من عام ألفين وستة حتى وفاة إبستين في ألفين وتسعة عشر، وشملت استشارات سياسية وتجارية، وتنظيم لقاءات مع قادة أعمال وسياسيين، ورحلات مشتركة إلى جزيرة إبستين الخاصة في البحر الكاريبي.

وتكشف المراسلات عن مستوى صادم من الألفة الشخصية، بما في ذلك رسائل ذات طابع فاضح، ورد إبستين الشهير على إحدى رسائل بن سليم بقوله: الحمد لله لا يزال هناك أشخاص مثلك، وهي العبارة التي اختار التحقيق أن يضعها عنوانًا دالًا على طبيعة هذه العلاقة.

ويمضي التحقيق في ربط هذه الصداقة بسياق أوسع من الأنشطة المالية والاستخباراتية التي شكّلت خلفية صعود الإمارات كمركز عالمي لعبور الأموال والسلع منذ ثمانينيات القرن الماضي، بدءًا من دور بنك الاعتماد والتجارة الدولي في فضيحة إيران كونترا، مرورًا باستخدام الإمارات كمحطة عبور للأسلحة والماس والمعادن النفيسة، وصولًا إلى دور سلطان بن سليم نفسه في تطوير البنية التحتية اللوجستية لدبي، من خلال رئاسته للمنطقة الحرة في جبل علي، التي تحولت إلى عقدة أساسية في شبكات التجارة المشروعة وغير المشروعة على حد سواء.

ويخصص التحقيق مساحة واسعة لشرح كيف أصبحت المناطق الحرة الإماراتية نقاط عبور مفضلة للأسلحة والسجائر والماس خلال الحروب الأفريقية، بما في ذلك الحرب الأهلية في أنغولا، حيث استخدمت شبكات تهريب دولية دبي والشارقة كمراكز لوجستية لتمويل النزاع عبر تجارة ما عُرف بالماس الدموي. ويستعرض التحقيق كيف أُعيد تنظيم هذه التجارة لاحقًا عبر إنشاء مركز دبي للسلع المتعددة وبورصة دبي للماس، في خطوة ساهمت في إنهاء الهياكل غير الشرعية السابقة، لكنها كرّست في الوقت ذاته سيطرة دبي على مسارات تصدير المعادن النفيسة من أفريقيا إلى العالم.

ويعود التحقيق إلى جيفري إبستين، مشيرًا إلى ما نقله صحفيون عنه من تباهيه بأن ثروته جاءت من السلاح والمخدرات والماس، وهو ما يكتسب دلالة خاصة بعد أن عثرت السلطات الأميركية في منزله بنيويورك عام ألفين وتسعة عشر على عشرات الأحجار الماسية غير المثبتة في خزنة مغلقة، تعود تقييماتها إلى فترة تمتد بين أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، دون معرفة مصدرها الحقيقي.

ولا يتوقف التحقيق عند المال والتجارة، بل ينتقل إلى الدور الذي لعبه إبستين في بناء علاقات مالية وسياسية بين الإمارات ومؤسسات مصرفية أميركية كبرى، حيث ربط سلطان بن سليم بمسؤولين بارزين في بنك جيه بي مورغان، وساعد في تعزيز حضور البنك في الخليج، في وقت كانت فيه العائلات الحاكمة تفضل المصارف السويسرية. ويكشف التحقيق أن هذه اللقاءات لم تخلُ من تبادل مواد فاضحة ومراسلات مشبوهة، ما يعكس طبيعة البيئة التي كانت تُدار فيها هذه العلاقات.

كما يتطرق التحقيق إلى دور السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة، وعلاقاته بشخصيات مالية مثيرة للجدل، من بينها رجل الأعمال الماليزي الهارب جو لو، المتورط في فضيحة صندوق التنمية الماليزي، كاشفًا عن تحويلات مالية ضخمة عبر مصارف سويسرية وأميركية، وعن تنسيق سياسي وثيق مع إسرائيل في ملفات حساسة مثل معارضة الاتفاق النووي الإيراني، حيث وفر العتيبة غطاءً عربيًا لتحركات إسرائيلية داخل الكونغرس الأميركي.

ويكشف التحقيق كذلك عن بُعد شخصي شديد الحساسية في علاقة إبستين ببن سليم، تمثل في قيام إبستين بتسهيل وصول عائلة بن سليم إلى رعاية طبية متقدمة في إسرائيل، خصوصًا لعلاج ابنته، إضافة إلى جمع عينات حمض نووي تخص حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم، نُقلت إلى منزل إبستين في نيويورك، في واقعة تعكس مستوى استثنائيًا من الثقة والتداخل بين الشخصي والسياسي والأمني.

ويستعرض التحقيق كيف لجأ بن سليم إلى إبستين طلبًا للنصيحة حتى في أدق التفاصيل السياسية، بما في ذلك كيفية التعامل مع دعوة لحضور حفل تنصيب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وكيفية مصافحة الرئيس، وهو ما يبرز الدور الذي لعبه إبستين كمرشد داخل دوائر السلطة الأميركية.

ويختتم التحقيق بالتأكيد على أن وفاة جيفري إبستين حالت دون رؤيته لاتفاقيات أبراهام وقد خرجت إلى العلن، إلا أن القنوات الخاصة التي ساهم في بنائها بين النخب الإماراتية والإسرائيلية شكّلت الأساس الفعلي الذي قامت عليه هذه الاتفاقيات. واليوم، ومع تعمق هذا التحالف رغم الجرائم الإسرائيلية في غزة، تعود الشبكات ذاتها إلى الواجهة في ملفات جديدة، من بينها دعم صوماليلاند، حيث يبرز اسم سلطان بن سليم مجددًا كأحد أبرز الداعمين الإماراتيين لهذا المسار، في مشهد يؤكد أن ما جرى خلف الأبواب المغلقة قبل سنوات لا يزال يلقي بظلاله الثقيلة على حاضر المنطقة ومستقبلها.