في تصعيد جديد ضمن المواجهة المفتوحة التي يخوضها “أنصار الله” ضد الاحتلال الإسرائيلي منذ اندلاع حرب غزة، توعد رئيس المجلس السياسي الأعلى لجماعة الحوثيين، مهدي المشاط، بإسقاط الطائرات الحربية الإسرائيلية المشاركة في قصف اليمن، مؤكداً أن الدفاعات الجوية اليمنية ستتعامل مع هذه الطائرات “بما لا يضر بالملاحة الجوية والبحرية”.
وخلال خطاب سياسي لافت كشف المشاط أن هناك “أخبارًا سارة” ستُعلن قريبًا حول الطائرات الإسرائيلية، مرجحًا أن تكون تلك التصريحات تمهيدًا للإعلان عن إسقاط أو استهداف طائرات إسرائيلية بالفعل، أو على الأقل تعطيلها ضمن المجال الجوي اليمني.
وقال المشاط موجهًا كلامه إلى الشركات الدولية: “لقد وجهنا بتصنيف مسارات الطيران التي تستخدمها طائرات العدو الصهيوني للاعتداء على اليمن كمناطق خطرة، وعلى الشركات أن تتجنبها حفاظًا على سلامتها”.
ويعد ذلك تحذيرًا صريحًا لشركات الطيران المدني والتجاري بتعديل مساراتها، وهو ما يذكر بتجارب سابقة حيث أثّر تدخل الحوثيين في البحر الأحمر على خطوط الإمداد العالمية وأجبر شركات كبرى على وقف رحلاتها.

قصف صنعاء لا يوقف العمليات
من جهته، خرج زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بتصريحات تؤكد أن العدوان الإسرائيلي على مطار صنعاء “لن يوقف” عمليات الجماعة، بل سيدفع باتجاه “تصعيد أكثر تأثيرًا”، وفق قوله.
وكشف الحوثي عن تنفيذ 14 عملية عسكرية ضد أهداف إسرائيلية خلال الأيام الماضية، بينها صواريخ وطائرات مسيرة استهدفت مناطق استراتيجية مثل مطار بن غوريون، ويافا، وحيفا.
وقال الحوثي إن “العدوان على مطار صنعاء يمثل محاولة لشل القدرة اليمنية على الرد، لكنه فشل في ذلك، ولن يخضع اليمن لا رسميًا ولا شعبيًا”، مضيفًا أن الجماعة ستستمر في دعم الشعب الفلسطيني بكل الوسائل المتاحة.
وشدد على أن البحر الأحمر “لا يزال مغلقًا أمام الملاحة الإسرائيلية”، وهو ما يعكس استمرار استراتيجية “الممرات المحظورة” التي اعتمدتها الجماعة في معركتها البحرية، منذ أن أعلنت منع مرور السفن الإسرائيلية أو المتجهة إلى إسرائيل عبر البحر الأحمر وخليج عدن.
شهر أيار/مايو: الأكثر إيلامًا للاحتلال
وبحسب قناة “المسيرة” التابعة للجماعة، فإن شهر أيار/ مايو الجاري يُعد “الأكثر سخونة وإيلامًا” للاحتلال الإسرائيلي، حيث نفذت القوات المسلحة اليمنية 22 عملية عسكرية نوعية ضد الاحتلال منذ بداية الشهر، ما بين استهداف لمنشآت حيوية، وقواعد عسكرية، ومدن مركزية داخل الأراضي المحتلة.
وتنوّعت العمليات بين هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ باليستية، استهدفت مطارات وموانئ ومناطق عسكرية في عمق الأراضي المحتلة، ما أدى إلى حدوث أضرار معنوية ومادية، حسب وصف القناة.
واعتبر مراقبون أن هذا المستوى من الهجمات يُظهر تطورًا في قدرة الحوثيين على تنفيذ عمليات عابرة للحدود رغم الحصار والقصف، كما يعكس استمرارهم في توظيف موقع اليمن الجغرافي الحيوي كورقة ضغط استراتيجية ضد إسرائيل وداعميها.
التحذير للشركات: جبهة موازية في الحرب السيبرية والملاحية
التصريحات الأخيرة للمشاط بشأن تصنيف مسارات الطيران الإسرائيلي كمناطق خطرة تمثل تصعيدًا خطيرًا في قواعد الاشتباك، إذ قد تدفع شركات الطيران الدولية لإعادة تقييم مساراتها فوق البحر الأحمر وخليج عدن، تمامًا كما حدث خلال ذروة عمليات الحوثيين ضد الملاحة بداية عام 2024، حين تراجعت عدة شركات عن استخدام ممرات بحرية معينة خوفًا من الاستهداف.
كما أن توجيه خطاب سياسي بهذا الشكل إلى الشركات يفتح الباب لتأثير مزدوج: أمني واقتصادي، ما يجعل من ملف الملاحة الجوية والبحرية ورقة ضغط لا تقل أهمية عن الضربات الصاروخية. إذ تسعى جماعة الحوثي لتحويل ساحة المواجهة من مجرد استهدافات عسكرية إلى شلل اقتصادي وتضييق على الاحتلال من بوابة التجارة والنقل.
صمت عربي وتواطؤ دولي: أين الموقف الرسمي؟
وفي خضم التصعيد العسكري والدبلوماسي من جانب الحوثيين، يبرز تساؤل صارخ عن موقف الدول العربية التي التزمت الصمت تجاه قصف الاحتلال الإسرائيلي لمطار صنعاء، على الرغم من أن الحادث يمثل خرقًا جديدًا للسيادة اليمنية، ويأتي من طرف خارجي لا تربطه باليمن حالة حرب مباشرة، كما أنه لا يملك أي شرعية لشن هجمات داخل الأراضي العربية.
وقد علّق موقع “26 سبتمبر نت” اليمني على هذا الصمت بالقول إن “الحكام العرب يواصلون خيانتهم وتواطؤهم مع العدو الصهيوني، في الوقت الذي يتكبد فيه هذا العدو الهش ضربات قاسية من صنعاء”، مؤكدًا أن “أنصار الله” باتوا اليوم في موقع متقدم من المعركة ضد إسرائيل، بينما يغرق النظام الرسمي العربي في التطبيع أو التبرير.
الخلاصة: تصعيد قادم واستراتيجية مقاومة متكاملة
تمضي جماعة الحوثي في تثبيت معادلة جديدة في المعركة الإقليمية، مفادها أن استهداف اليمن سيقابل بتوسيع رقعة النار نحو الداخل الإسرائيلي، سواء عبر البحر أو عبر الجو.
ومن خلال تنويع ساحات الاستهداف، وربط المعركة بملاحة البحر الأحمر والطيران المدني، يسعى الحوثيون إلى فرض كلفة عالية على كل من يشارك أو يدعم العدوان على غزة واليمن.
ومع كل يوم يمر، يتضح أن الحوثيين لم يعودوا طرفًا محليًا محصورًا في اليمن، بل لاعبًا إقليميًا لديه مشروعه في خلط الأوراق والمواجهة العابرة للحدود. وفي ظل استمرار التخاذل العربي والصمت الدولي، تبقى الأيام القادمة حبلى بمزيد من المفاجآت في سماء المعركة المفتوحة بين صنعاء وتل أبيب.
اقرأ أيضًا : “برج على أنقاض الحرب”.. كيف تهدد فضيحة تزوير مشروع ترامب الفاخر في صربيا؟