في تصعيد جديد يكشف تنامي القدرات العسكرية لجماعة الحوثي اليمنية واتساع رقعة المواجهة ضد إسرائيل، أعلنت الجماعة، مساء الأربعاء، تنفيذ ثلاث عمليات نوعية استهدفت الداخل الإسرائيلي بواسطة خمس طائرات مسيرة، لتؤكد بذلك عزمها على مواصلة استنزاف الاحتلال ما دام عدوانه على غزة مستمراً.
وبينما حاولت إسرائيل التهوين من خطورة الهجوم، جاءت ردود أفعالها الأمنية والعسكرية لتكشف عن واقع هشاشة منظومتها الدفاعية في مواجهة هجمات “الحلف المناصر لغزة” المتصاعد في المنطقة.

الهجمات الحوثية.. تنسيق وتكتيك متعدد الجبهات
بحسب بيان المتحدث العسكري باسم جماعة الحوثي، يحيى سريع، فإن سلاح الجو المسيّر نفذ ثلاث عمليات متزامنة بطائرات مسيرة استهدفت مناطق حساسة في تل أبيب وعسقلان والنقب. أُطلقت طائرتان على هدف “حساس” في يافا (تل أبيب)، وطائرتان أخريان استهدفتا موقعاً عسكرياً في عسقلان، بينما ضربت الطائرة الخامسة هدفاً عسكرياً في النقب.
ورغم أن البيان الحوثي لم يوضح نتائج الهجمات بشكل تفصيلي، فإنه أشار إلى أن الأهداف “أُصيبت بنجاح”، ما يعزز دعاية الجماعة في معركة الرأي العام، خصوصاً مع ازدياد اهتمام الشارع العربي والإسلامي بأي عمليات رد على العدوان الإسرائيلي على غزة.
هذا الهجوم لم يكن حدثاً معزولاً، بل جاء بعد 24 ساعة فقط من إطلاق صاروخ باليستي من نوع “فلسطين 2” على مطار بن غوريون في تل أبيب، في تطور لافت لقدرات الحوثيين، الذين أعلنوا سابقاً أنهم يمتلكون صواريخ فرط صوتية. ويُعد ذلك مؤشراً خطيراً على أن الحرب المفتوحة مع إسرائيل باتت متعددة الأذرع والأنماط، وأن استنزاف الاحتلال لا يقتصر فقط على حدود غزة أو جنوب لبنان، بل يطال عمقه من سواحل البحر الأحمر.
تل أبيب تحت ضغط.. ومنظومات الدفاع عاجزة
اعتراض إحدى الطائرات المسيرة فوق “أشكول” شمالي النقب لم يفلح في طمأنة الرأي العام الإسرائيلي، بل زاد من تساؤلات الداخل حول فاعلية منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، خاصة في ظل الضربات المتكررة من جبهات بعيدة جغرافيًا. فبعد أكثر من 9 أشهر على بدء الحرب على غزة، تجد إسرائيل نفسها أمام استنزاف متنوع: مقاومة شرسة في غزة، جبهة مستعرة في الجنوب اللبناني، وتدخل متكرر من العراق واليمن، مما يكشف عن “هشاشة جيوسياسية” غير مسبوقة.
الجيش الإسرائيلي، رغم تطويره لأنظمة مثل “القبة الحديدية” و”مقلاع داوود”، يواجه صعوبات في مواكبة الهجمات المتعددة الاتجاهات. ويُضاف إلى ذلك القلق من تطوير الحوثيين أسلحة دقيقة يصعب على المنظومات التقليدية رصدها أو إسقاطها، خاصة في ظل الطبيعة المفاجئة لهجمات الطائرات المسيّرة منخفضة الارتفاع.
إن تنفيذ هجمات دقيقة من اليمن إلى تل أبيب، مروراً بعسقلان والنقب، يعني ببساطة أن “الاحتلال فقد احتكاره للأمن”، بحسب تعبير العديد من المحللين العسكريين، وأن الحدود الإسرائيلية لم تعد آمنة لا جوًا ولا بحرًا، رغم دعم واشنطن المستمر.
الحوثي ورسائل الدعم لغزة: البُعد الأخلاقي والعسكري
الرسائل التي تبعث بها جماعة الحوثي من خلال تصعيدها الأخير تحمل أبعادًا متعددة: فسياسيًا، تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء فاعل من محور المقاومة، وتحقيق مزيد من الحضور الإقليمي والدولي. أما عسكريًا، فهي تسعى لتغيير قواعد الاشتباك، وفرض معادلة “لا موانئ آمنة للمحتل ولا عمق محصن” طالما استمرت حرب الإبادة في غزة.
الأهم من كل ذلك أن عمليات الحوثي تعكس تحوّلًا في ميزان الردع الإقليمي، حيث لم تعد إسرائيل اللاعب الوحيد القادر على توجيه الضربات، بل أصبحت أهدافها مكشوفة أمام أطراف لا تملك دولًا متقدمة أو جيوشًا نظامية.
وتعدّ تهديدات الجماعة الأخيرة بشأن استهداف “جميع السفن التابعة لشركات تتعامل مع موانئ إسرائيل” نقلة نوعية في تكتيكات الضغط، تضيف إلى الحصار البحري المفروض على إسرائيل من البحر الأحمر تحدياً جديداً أمام الملاحة الإسرائيلية والتجارة الدولية المتجهة نحوها.
خاتمة: انهيار الأمن الإسرائيلي.. بداية الانكشاف
في سياق إقليمي تتصاعد فيه المقاومة على أكثر من جبهة، تمثل الهجمات الحوثية على الداخل الإسرائيلي نقطة تحول في المعركة الكبرى التي تدور منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. فبينما تراهن إسرائيل على قوتها الجوية والدعم الأميركي الهائل، تتعرض في الوقت ذاته لهجمات “لا مركزية” تربك استراتيجياتها، وتُدخلها في استنزاف طويل الأمد قد لا تملك رفاهية تحمّله.
الهجوم الأخير على تل أبيب والنقب لم يكن فقط مجرد ضربة عسكرية، بل إعلان عن أن عهد “الأمن المطلق” لإسرائيل قد انتهى، وأن كل ما يمكن أن يبنيه الاحتلال من جدران ومنظومات دفاعية، يمكن لطائرات رخيصة وصواريخ محلية الصنع أن تخترقه.
وما دامت الحرب على غزة مستمرة، فإن الخطر لن يأتي فقط من الجنوب، بل من البحر والجو واليابسة، في وقت بدأت فيه إسرائيل تفقد هيبتها الأمنية أمام الشعوب وأمام حلفائها على حد سواء.
اقرأ أيضًا : جندي إسرائيلي ينتحر بسبب “رائحة الجثث”.. والمقاومة تحقق تفوقًا نفسيًا في ساحة المعركة