في تطور يسلّط الضوء على هشاشة البنية السياسية والعسكرية داخل كيان الاحتلال الإسرائيلي، كشفت تسريبات بثتها “القناة 13” العبرية عن الأسباب الحقيقية وراء إقالة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لوزير الحرب السابق يوآف غالانت، ورئيس الأركان السابق هرتسي هليفي.
وبحسب التسجيلات، فإن نتنياهو لم يُقِل الرجلين لأسباب ميدانية أو أمنية كما كان يُروّج، بل بهدف تسهيل تمرير قانون مثير للجدل يعفي اليهود الحريديم (المتشددين دينياً) من الخدمة العسكرية، في خطوة أثارت صدمة داخل المؤسسة العسكرية والمجتمع الإسرائيلي على حد سواء.

تصفية سياسية لتمرير “قانون التوراة”
في حديث مسرّب مع أحد كبار الحاخامات، قال نتنياهو بصراحة لافتة: “عندما يكون وزير الدفاع ضدك ورئيس الأركان ضدك، لا يمكنك المضي قدمًا. الآن يمكننا المضي قدمًا.”
هذا التصريح جاء ليؤكد أن القرار لم يكن مبنيًا على تقويم أداء الرجلين في الحرب على غزة أو إدارة الجبهة الشمالية، بل كان قرارًا سياسيًا محضًا لتجاوز عقبة داخلية تعيق تمرير التشريع الديني المثير للجدل.
وأكد نتنياهو في حديثه أن الهدف يتجاوز المصالح السياسية، قائلاً: “علينا أن ننقذ ليس فقط دولة إسرائيل، بل أيضًا عالم التوراة.” وادعى أن استبدال القيادة العسكرية أتاح للجيش الانصياع لرغبات الحكومة، وبدأ بتنفيذ ما وصفه بـ”مسارات تستوعب الحريديم وتُمكّنهم من الحفاظ على نمط حياتهم الديني أثناء الخدمة”، رغم أن هذه الخطوة قوبلت سابقًا برفض شديد من المؤسسة العسكرية التي تعتبر هذا إعفاءً غير عادل يقوّض مبدأ المساواة ويضعف الجاهزية القتالية.
الهجوم على المعارضة وإشارات إلى “حرب أهلية صامتة”
ولم تخلُ التسجيلات من هجوم لاذع على المعارضة، حيث اتهم نتنياهو خصومه بأنهم يسعون فقط إلى “الإطاحة بالحكومة والإضرار بعالم التوراة”، مضيفًا: “هؤلاء الناس ضد عالم التوراة، إنهم ضده تمامًا.
وناشد الحاخام قائلاً: “أنا بحاجة لمساعدتك. أثق بك وأريدك أن تثق بي. إذا عملنا معًا، فسننهي هذا الأمر نهائيًا.”
هذه الكلمات تحمل في طياتها دلالات خطيرة عن انقسام داخلي عميق داخل دولة الاحتلال، بين معسكر ديني يتوسع نفوذه السياسي بقيادة نتنياهو، ومعسكر علماني وعسكري يعارض تديين الجيش وتحويله إلى أداة سياسية.
وفيما تساءلت القناة 13 عن الأسباب الحقيقية وراء “المزاج السيئ” الذي خرج به غالانت من مكتبه، أشارت إلى أن هذه الإقالات تمت رغم ما وصفته بـ”الإنجازات الأمنية الكبيرة” التي حققها خلال الأشهر الأخيرة. وهذا ما فُسّر على أنه انقلاب صامت قاده نتنياهو لإحكام قبضته على مفاصل الدولة، حتى ولو جاء ذلك على حساب الاستقرار المؤسسي.
الانقسام الحاد كأحد نتائج صدمة “الطوفان”
لا يمكن فصل هذه التطورات عن سياق الانهيار المعنوي والسياسي الذي تعاني منه حكومة نتنياهو منذ عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، التي شكلت زلزالاً أمنياً وعسكرياً كشف حدود القوة الإسرائيلية وأربك النخب السياسية. فقرار إقالة غالانت وهليفي بهذا الشكل، وفي توقيت بالغ الحساسية، يعكس حالة هلع داخلي تدفع نتنياهو لتقديم التنازلات للحريديم من أجل الحفاظ على التحالف الحكومي.
وفي هذا السياق، قال مصدر سياسي إسرائيلي معارض: “الاحتلال بات يعيش أزمة قيادة غير مسبوقة، حيث يتم التضحية بالخبراء العسكريين فقط لتمرير قوانين دينية تقسم المجتمع الإسرائيلي”. ويضيف: “نتنياهو يراهن على كسب دعم التيار الديني لإنقاذ مستقبله السياسي، ولو على أنقاض وحدة الجيش والدولة”.
ومن جانبها، أصدرت عائلة الحاخام ماران هيرش بياناً قالت فيه: “صُدمنا من تسريب المحادثة، ونراه عملاً غير مسؤول يهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية”. هذه التصريحات تثير تساؤلات حول هوية الجهة التي سرّبت التسجيل، وهل كانت جهة داخل الحكومة تسعى إلى فضح نتنياهو، أم أنها خطوة محسوبة ضمن صراعات الأجنحة داخل حزب الليكود نفسه.
رد مكتب نتنياهو والتبرير “غير المقنع”
سارع مكتب نتنياهو إلى محاولة احتواء الأزمة، قائلاً في بيان: “كما يتضح جلياً في التسجيلات – دون أي تفسير مشوّه من قبل معلقي القناة 13 – فإن رئيس الوزراء يشير إلى أن غالانت وهليفي هما من عرقلا إنشاء الوحدات الخاصة للحريديم، بينما القيادة الحالية تتقدم بهذه القضية بسرعة ومهنية”.
لكن هذا التبرير لم يقنع كثيرين، خصوصًا في ظل التناقض بين رواية نتنياهو العلنية السابقة التي تحدث فيها عن “تقييمات أمنية” وراء التغيير، وبين اعترافه في التسجيل بأن الهدف كان تمرير القانون.
الاحتلال ينزف داخليًا والمقاومة تراقب
في ظل هذا الانقسام المتصاعد بين القيادة السياسية والعسكرية، وبين المعسكرات الدينية والعلمانية، يبدو الاحتلال وكأنه يسير نحو تفكك داخلي، يُغذيه الفشل العسكري في غزة والضغط الشعبي المتزايد. والمقاومة الفلسطينية التي طالما راهنت على تفجير التناقضات الداخلية، تجد في هذه التسريبات دليلاً إضافيًا على أن “العدو يهوي من الداخل”، وأن صدمة “الطوفان” لم تكن مجرد عملية عسكرية، بل زلزال استراتيجي أصاب رأس الهرم.
في النهاية، تؤكد هذه التسريبات أن الخلافات الداخلية في كيان الاحتلال لم تعد مجرد خلافات سياسية عابرة، بل أصبحت إحدى أدوات المقاومة غير المباشرة، تقوض هيبة القيادة وتفكك وحدة القرار في وقت الحرب.
اقرأ ايضًا : واشنطن تحمي الإبادة ونتنياهو يشكرها: فيتو أمريكي يُغطي جرائم غزة