المقاومة تفرض نفسها.. وواشنطن تُجبر على الجلوس إلى الطاولة

عندما بدأت الحرب على غزة، كانت الرواية الإسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة تحاول الترويج لفكرة أن المقاومة الفلسطينية ستُسحق، وأن “حماس ستُباد”، وأن تل أبيب ستحقق نصرًا سريعًا.

لكن بعد أشهر من القصف والدمار، تغير المشهد بالكامل، صمدت المقاومة وتكيفت مع الصراع وظلت ضرباتها الموجعة في كل المحاور تصيب جيش الاحتلال من حيث لا يحتسب، لتجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى التفاوض المباشر مع حماس، رغم تصنيفها “منظمة إرهابية”، ودون إشراك إسرائيل في هذه المحادثات السرية التي أثارت غضب حكومة نتنياهو.

هذا التحول الجذري لم يكن خيارًا أميركيًا، بل كان فرضًا واقعًا على البيت الأبيض، في ظل حكومة ترامب الميكافيلية التي لا أخلاق لديها ولا قيم ولا صداقة ولا عداء إلا وفق الحسابات والأرقام، فالمقاومة لم تنهر كما زعم نتنياهو، وبات واضحا أن ما لم يحققه نتنياهو في 15 شهرا لن يحققه في ما هو أكثر، فلقد ثبتت المقاومة قواعد اشتباك جديدة أجبرت واشنطن على التخلي عن الخطاب التقليدي الداعم لإسرائيل دون شروط، والبحث عن حلول تحفظ مصالحها.

وهكذا، صدق من قال: لا تنظروا إلى أقوال ترامب، بل انظروا إلى أفعاله. لقد صرخ قائلًا: “إن لم تفرجوا عن الرهائن، ستفتح عليكم أبواب الجحيم!”، لكن بدلًا من فتح أبواب الجحيم، فتح قناة تفاوض سرية مع حماس، وبدأ مسؤولوه يجلسون مع ممثلي المقاومة على الطاولة، يتحدثون معهم كطرف فاعل في معادلة الصراع، وهو ما يُعد انتصارًا سياسيًا للمقاومة الفلسطينية لا يقل أهمية عن الانتصارات الميدانية.

نتنياهو يعترض.. ولا أحد يكترث

الغضب الإسرائيلي من هذه المفاوضات لم يكن خافيا. فقد كشفت القناة 13 الإسرائيلية عن حالة استياء شديد في حكومة الاحتلال بسبب المباحثات السرية بين واشنطن وحماس، حيث تشعر تل أبيب بأن الولايات المتحدة بدأت تتعامل مع غزة خارج حسابات نتنياهو.

لكن في الحقيقة، هذا الغضب يعكس مدى عزلة نتنياهو حتى داخل دائرة داعميه التقليديين. فالإدارة الأميركية، التي لطالما كانت الراعي الأول لحروبه وسياساته العدوانية، بدأت تدرك أن الرجل لم يعد شريكًا يمكن الوثوق به، وأنه يدفع إسرائيل نحو كارثة كبرى فقط من أجل إنقاذ نفسه سياسيًا.

لقد فشل نتنياهو في تحقيق أي نصر عسكري ملموس في غزة، وها هو الآن يحاول عرقلة أي اتفاق سياسي قد ينقذ إسرائيل من هذا المستنقع، فقط لأنه يعلم أن أي وقف لإطلاق النار يعني انتهاء مستقبله السياسي. وهذه الحقيقة لم تعد خافية على البيت الأبيض، الذي بدأ في التصرف بعيدًا عن إملاءات حكومة الاحتلال، على الرغم من حفاظه على تصريحات لامعة حول دعمه المطلق لنتنياهو الحليف الأقرب، لكن الواقع يخالف هذه التصريحات الرنانة، والخطط المتطرفة.

وحتى الترضية بالتصريحات بدأت تتغير هي الأخرى فانظر مثلا إلى هذا التصريح من المبعوث الأمريكي الخاص لشؤون الرهائن، آدم بولر، بعد لقائه بمفاوضي حماس، قائلاً في مقابلة إعلامية عن حماس “إنهم ليسوا شياطين تخرج قرون من رؤوسهم، إنهم رجال مثلنا، إنهم أشخاص طيبون للغاية.” وأضاف: “نحن الولايات المتحدة. نحن لسنا وكيلاً لإسرائيل.”

 وهو تصريح غير مسبوق، يُظهر أن الإدارة الأميركية بدأت تضع حدودًا لعلاقتها مع إسرائيل، وأنها لم تعد مستعدة للسير خلف نتنياهو في كل قراراته المدمرة دون حسابات سياسية دقيقة.

هل سيكون مصير نتنياهو كمصير زيلينسكي؟

منذ أسابيع، وقف زيلينسكي في البيت الأبيض، يواجه سخرية ترامب وإهاناته العلنية، بعد أن قررت حكومة واشنطن الجديدة أن مغامرته العسكرية مع روسيا كانت رهانًا خاسرًا، وأن أوكرانيا باتت عبئًا على الولايات المتحدة، لا استثمارًا استراتيجيًا. واليوم، يبدو أن نتنياهو يواجه المصير نفسه.

فالإدارة الأميركية، التي بدأت مفاوضاتها مع حماس بحثًا عن هدنة طويلة الأمد، كما كشف مسؤول ملف الرهائن، لن تتسامح مع أي عرقلة إسرائيلية لهذه الجهود. وإن استمر نتنياهو في معارضة الموقف الأميركي، قد يجد نفسه معزولًا أكثر، وربما يتم التضحية به كما حصل مع زيلينسكي.

الرسالة واضحة: إما أن يوافق نتنياهو على وقف إطلاق النار، أو أن يُترك ليواجه مصيره السياسي وحيدًا، وهو ما بدأت بعض الأصوات داخل إسرائيل نفسها تدركه، حيث تتزايد الضغوط لإبعاده وإنهاء حكمه الذي لم يجلب سوى الكوارث.

 انتصار سياسي للمقاومة.. وعزلة متزايدة لنتنياهو

ما يحدث اليوم هو تحول استراتيجي في الصراع. فالمقاومة الفلسطينية فرضت نفسها كطرف لا يمكن تجاوزه، وأجبرت أقوى دولة في العالم على الجلوس معها مباشرة، رغم كل محاولات إسرائيل لطمس هذه الحقيقة.

أما نتنياهو، الذي حاول التلاعب بالجميع لتحقيق مكاسب شخصية، فقد بدأ يفقد حلفاءه واحدًا تلو الآخر، وإذا استمر في طريقه الحالي، فقد يكون مصيره كمصير زيلينسكي، الذي اكتشف متأخرًا أن واشنطن لا تدعم الخاسرين إلى الأبد.